مارس 10

تجربة فصلية حية ترصد مدخلا ممكنا لدرس التاريخ

سأقدم لكم فيما يلي تجربة فصلية طازجة حدثت بيني وبين تلامذتي، وتتعلق بالاشتغال على نص افتتاحي اتخذته بمثابة مدخل لدرس التاريخ وصياغة أسئلته الإشكالية.

وسأحاول، ما أمكن ذلك، أن أقدم لكم مجريات الحصة كما حدثت بالفعل، ولو أن ذلك يتعلق بإشكال تاريخي وهو؛ هل يمكن فعلا سرد الأحداث كما وقعت في الماضي فعليا، ولو أن الماضي هنا قريب يتعلق بأحداث حصة دراسية حدثت قبل ساعات فقط ؟؟؟

على أية حال، دخلنا القسم وجلس التلاميذ، ونهضت بعد قليل من مكتبي لأسجل في السبورة كعنوان عريض: التاريخ.

سمعت من التلاميذ بعض الهمهمات والهمسات التي تعلن بأننا إزاء درس جديد، إن الأمر يتعلق بدرس التاريخ في مادة الفلسفة.

ناديت التلاميذ قائلا:

- سننتقل في هذه الحصة إلى الدرس الثالث من مقرر هذه السنة، وهو درس يندرج ضمن مجزوءة الوضع البشري بجانب درسي الشخص والغير.

ثم قلت لهم أيضا:

- سننطلق من نص للمفكر المغربي عبد الله العروي، وسنتخذه كمنطلق للدخول إلى هذا الدرس وصياغة إشكالاته الأساسية. إذن لنكتب أولا نص هذا المفكر في الدفتر.

أخذ التلاميذ أقلامهم وبدؤوا يكتبون معي النص التالي:

يقول المفكر المغربي عبد الله العروي:

« يتساءل المؤرخ عن صناعته فيعني بالتاريخ تحقيق وسرد ما جرى فعلا في الماضي، ويتساءل الفيلسوف عن هدف الأحداث فيعني بالتاريخ مجموع القوانين التي تشير إلى مقصد خفي يتحقق تدريجيا أو جدليا، ويتساءل الفيلسوف أيضا عن ماهية الإنسان، عما يميزه عن سائر الكائنات، فيقول إنه التاريخ. »

المصدر: عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الر ابعة، 1997، ص 9.

بعد كتابة النص وإعادة قراءته، توجهت إلى التلاميذ بالسؤال التالي:

- ما الذي يهتم بالتاريخ حسب النص ؟

فأجاب أحدهم:

- المؤرخ.

فقلت:

- هل المؤرخ فقط ؟

فقال تلميذ آخر:

- الفيلسوف أيضا.

فقلت لهم:

- حسنا لنسجل إذن بأن التاريخ هو مجال اهتمام المؤرخ من جهة والفيلسوف من جهة أخرى. لكن فيم يختلف اهتمام المؤرخ بالتاريخ عنه عند الفيلسوف؟ هل يتعاملان معه بنفس الكيفية؟

فقال بعضهم:

- لا ؛ إن اهتمامهما بالتاريخ مختلف.

فقلت:

- أين يختلف حسب النص الذي بين أيدينا عمل المؤرخ عن عمل الفيلسوف؟ ماذل يفعل كل منهما؟ تأملوا في النص وأجيبوا عن تساؤلي ؟

فأخذ التلاميذ يتأملون في النص ويعيدون قراءة عباراته أملا في العثور على جواب عن تساؤلي.

بعد حين رفع أحدهم أصبعه، فوجهت إليه الكلمة، فقال:

- المؤرخ يسرد الأحداث والفيلسوف يبحث عن هدفها.

فقلت:

- لنقف معكم إذن عند الفرق بين عمل كل من المؤرخ والفيلسوف. ولنبدأ أولا بالمؤرخ؛ ماذا يفعل المؤرخ على وجه الدقة ؟

قال أحدهم:

- إن المؤرخ يحكي أحداث الماضي.

قلت:

- صحيح، ولكن كيف يتعرف على تلك الأحداث؟ تأملوا في الجملة الأولى من النص للإجابة ؟ ماذا نجد في هذه الجملة ؟ ما معنى التاريخ حسب المؤرخ ؟

قال أحد التلاميذ وهو يكتفي بقراءة جملة النص:

- « إن التاريخ هو تحقيق وسرد ما جرى فعلا في الماضي ».

قلت:

- حسنا، هذا صحيح. ولكن ما المقصود بكلمة تحقيق ؟ هل التاريخ هو مجرد سرد للأحداث مثلما يسرد الروائي أحداث روايته؟ هل عمل المؤرخ هو شبيه بالعمل الأدبي؟ هل التاريخ فن أدبي أم علم من العلوم الإنسانية ؟

تدخل أحد التلاميذ وهتف قائلا:

- التاريخ هو علم من العلوم وليس مجرد حكي أدبي.

قلت له:

- لكن المؤرخ يحكي عن أحداث الماضي وهذا ما قد يفعله الأديب أيضا.

حالة صمت خيمت على التلاميذ.

فقلت لهم:

- ما الفرق بين الحكي أو السرد عند المؤرخ وعنه عند الأديب ؟

قال أحدهم:

- الأديب يعتمد على السرد الخيالي بينما المؤرخ يتناول الأحداث انطلاقا من مناهج علمية.

قلت:

- صحيح ما قلت إلى حد ما. لكن كيف يسترجع المؤرخ أحداث الماضي ؟ ما هي المناهج التي يتبعها ؟ هل يوجد في النص ما يدل على ذلك ؟ تأملوا من جديد الجملة الأولى في النص من أجل الإجابة ؟

أخذ التلاميذ يقرؤون الجملة من جديد، فقال أحدهم:

- يتعرف المؤرخ على الأحداث من خلال تحقيق الوثائق التاريخية.

فقلت له:

- جيد، إذن فالتحقيق هو عمل علمي يقوم من خلاله المؤرخ باستنطاق الوثائق من أجل الكشف عن الأحداث التاريخية الماضية. وهنا يختلف المؤرخ عن الأديب؛ فهذا الأخير قد يسرد أحداثا خيالية لا أصل لها في الواقع الفعلي، بينما يتناول المؤرخ موضوعه تناولا علميا اعتمادا على مناهج في الدراسة تمكنه من وضع فرضيات والعمل على استنطاق الوثائق.

ثم استطردت قائلا:

- ما هي أنواع الوثائق التي تعرفونها، والتي يمكن للمؤرخ اعتمادها في معرفة الأحداث التاريخية ؟

قال أحدهم:

- النصوص المكتوبة والمعاهدات.

وقال آخر:

- الصور والأدوات والحفريات.

وقال آخر:

- المآثر التاريخية …

فقلت للتلاميذ:

- هل فعلا بإمكان هذه الأنواع من الوثائق أن تمكن المؤرخ من معرفة ما جرى فعلا في الماضي ؟

صمت التلاميذ للحظة قصيرة ثم تدخل أحدهم قائلا:

- أعتقد أنه لا يمكن معرفة الأحداث كما وقعت فعلا.

قلت:

- إن الأمر في التاريخ لا يتعلق بمعرفة الأحداث المادية فقط، كتسلسل الأحداث في المعركة وعدد الجيوش ومكانها وزمانها … ، بل أيضا معرفة ما يسميه أحد الفلاسفة بأحداث الوعي ؛ أي المقاصد والنوايا الخاصة بالفاعلين التاريخيين. أقصد لماذا قام الجيش بالمعركة مثلا ؟ ما هي دوافعها وملابساتها ؟ ما الغاية منها ؟ …الخ

ثم استطردت قائلا:

- ألا ترون معي أن الأمر هنا يتعلق بمعرفة الغير ؟ ألا تتشابه المعرفة التاريخية بمعرفة الغير؟ ألسنا أمام نفس الإشكال تقريبا؟ ألا تبدو معرفة التاريخ معقدة مثل معرفة الغير؟ ألسنا هنا أمام معرفة الغير التاريخي أو معرفة الغير كما تجسد في التاريخ؛ معرفة أفعاله وأفكاره ونواياه ومقاصده ؟

قال أحد التلاميذ:

- يبدو أن هناك تقاطعا بين معرفة الغير والمعرفة التاريخية.

فأكدت للتلاميذ على وجود مثل هذا التقاطع وضرورة الانتباه إليه.

بعد ذلك، قلت للتلاميذ:

- كيف يمكن في نظركم صياغة تساؤلات تثيرها المعرفة التاريخية؟

فقال أحدهم:

- هل معرفة التاريخ ممكنة أم لا ؟

وقال آخر:

- هل هي معرفة مطلقة أم نسبية؟

وقال آخر:

- ما هي المناهج التي من شأنها أن تمكننا من معرفة التاريخ؟

فقلت للجميع:

- بالفعل فنحن أمام إشكال منهجي يتعلق بمعرفة أحداث الماضي. عودوا معي إلى الجملة التالية في النص: « … فيعني بالتاريخ تحقيق وسرد ما جرى فعلا في الماضي … »، وانتبهوا إلى عبارة ” ما جرى فعلا “. ما هو السؤال الذي يمكن أن نطرحه انطلاقا من هذه العبارة ؟

فقال أحدهم:

- هل فعلا يمكن للمؤرخ أن يسترجع ما جرى فعلا في الماضي ؟

فقلت:

- إن الأمر يتعلق إذن بمشكل الموضوعية والذاتية في التاريخ. كيف ذلك؟ استمعوا إلي؛ لماذا ندرس الأحداث التاريخية ؟

قال أحدهم:

- لمعرفة الماضي.

فقلت:

- هل لمعرفة الماضي في حد ذاته ؟ هل نتعرف على أحداث الماضي كقصص ترويها لنا الجدة للتسلية أو قبل النوم ؟

فصاح أحدهم:

- لا لا ، بل نتعرف على أحداث الماضي لأخذ الدروس والعبر.

فقلت للتلاميذ:

- إننا إذن ندرس الماضي بهواجس الحاضر، إننا ندرسه لكي نستفيد منه ونحل به قضايا نعيشها في الحاضر. فنحن ندرس النظم الأخلاقية والسياسية للأمم السابقة من أجل معرفة استلهامها وتحيينها في الحاضر.

ولهذا سأتوجه إليكم بالسؤال التالي:

- هل يمكن للمؤرخ أن يدرس أحداث الماضي دون إقحام ذاتيته في هذه الدراسة؟

قال أحدهم:

- لا يمكنه ذلك.

فقلت:

- أتدرون ماذا نقصد بالذاتية هنا؛ إننا نقصد بها مثلا تدخل الإيديولوجيا والأوهام والقناعات المذهبية والفكرية في تمثل المؤرخ للأحداث الماضية.

ولنوضيح هذه الفكرة قدمت لهم الأمثلة التالية:

- إن المؤرخ الشيعي سوف لن يؤرخ لأحداث التاريخ الإسلامي مثل المؤرخ السني ؟ ونفس الشيء إذا ما قارنا بين مؤرخ يهودي وآخر مسلم، أو مؤرخ اشتراكي مع آخر رأسمالي …وهكذا. ثم انظروا معي إلى هذه السفينة الحربية في عرض البحر الأبيض المتوسط؛ فمؤرخ الجنوب سيعتبرها وثيقة تدل على جهاد بحري، بينما مؤرخ الشمال سيعتبرها سفينة تدل على وجود قراصنة أو إرهابيين…

ثم قلت للتلاميذ:

- ما هي إذن الإشكالات التي تطرحها المعرفة التاريخية انطلاقا من كل ما سبق ؟

فقال أحدهم:

- هل يمكن دراسة التاريخ دراسة دقيقة و موضوعية أم أن ذاتية المؤرخ تتدخل في هذه الدراسة ؟

وقال آخر:

- هل يمكن معرفة الأحداث التاريخية كما حدثت بالفعل ؟

وقال آخر:

- ما هي المناهج التي يمكن اعتمادها في المعرفة التاريخية ؟

وتدخل تلاميذ آخرون وعبروا عن تساؤلات متشابهة …

فصححت بعض الصياغات وثمنت بعضها الآخر، ثم قلت للجميع:

- اكتبوا معي إذن ما يلي:

فأخذوا يكتبون في الدفتر ما أمليه عليهم شفويا، انطلاقا من النقاش الذي جرى بيننا. فكتبوا مايلي:

« - نلاحظ أن التاريخ هو مجال اهتمام كل من المؤرخ والفيلسوف. فالأول يحقق الوثائق التاريخية من أجل معرفة ما جرى في الماضي وسرده، أما الثاني فهو يعود إلى الأحداث التاريخية من أجل الكشف عن منطقها ومعرفة القوانين المتحكمة فيها، وتحديد الغاية التي تسعى إليها.

- إن المؤرخ يريد “سرد ما جرى فعلا في الماضي” ، فهل بإمكانه ذلك ؟ هل يمكن للمؤرخ أن يقدم لنا أحداث الماضي بدقة وموضوعية أم أن دراسة الماضي التاريخي تتم انطلاقا من ذاتية المؤرخ وهواجسه في الحاضر ؟ ».

بعد أن سجل التلاميذ هذه المعطيات في الدفتر، دعوتهم من جديد للعودة إلى نص الوضعية المشكلة، وبالضبط إلى العبارة الثانية في النص وهي:

« ويتساءل الفيلسوف عن هدف الأحداث فيعني بالتاريخ مجموع القوانين التي تشير إلى مقصد خفي يتحقق تدريجيا أو جدليا » .

ثم قلت للتلاميذ:

- ما الذي يبحث عنه الفيلسوف في أحداث الماضي التاريخي ؟

قال أحدهم:

- إنه يبحث عن الأهداف من الأحداث التاريخية.

فقلت له:

- ما المقصود بالأهداف هنا ؟

فقال:

- لماذا ندرس التاريخ؟

فقلت له:

- أتقصد لأخذ العبرة مثلا.

قال:

- نعم.

فقلت له:

- هذا ممكن. لكن ما ذا يمكن أن تعني عبارة البحث عن أهداف الأحداث التاريخية ؟

فقال تلميذ آخر:

- إنها تعني الغايات التي تسعى إليها الأحداث التاريخية.

فقلت له:

- جيد، إذن يمكن أن نفترض أن هناك نهاية أو غاية معينة تسير نحوها الأحداث التاريخية. فهناك العديد من التصورات سواء التيولوجية الدينية أو الفلسفية من ترى أن التاريخ يسير نحو غاية وأن له نهاية على هذا النحو أو ذاك.

وفي هذا السياق قدمت للتلاميذ أمثلة مختصرة تتعلق بفكرة الدجال أو المهدي المنتظر في الأدبيات الدينية الإسلامية، وأمثلة من تاريخ الفلسفة تتعلق بهيجل وماركس وفوكوياما، وقلت لهم أن الأول يتحدث عن تحقيق العقل الكوني لحريته واكتماله في مرحلته الأخيرة، بينما يتحدث الثاني عن الشيوعية كآخر نظام سياسي واقتصادي ستعرفه البشرية، بينما تحدث الثالث عن النظام الليبيرالي كآخر نظام ستعرفه البشرية. فإذن يمكن أن أتساءل معكم: هل يمكن فعلا الحديث عن غائية في التاريخ ؟ هل هناك نهاية له؟ هل يمكن أن نتنبأ بمستقبل الأحداث التاريخية بهذه البساطة ؟ ألا يخل ذلك بمطلب العلمية في دراسة التاريخ ؟

ثم توجهت للتلاميذ قائلا:

- انتبهوا مرة أخرى إلى العبارة الثانية في النص؛ ماذا نجد فيها أيضا؟

فساد نوع من الصمت بينهم. فبادرت بالقول:

- ألا توجد كلمة قوانين في العبارة؛ ما علاقتها بعمل الفيلسيوف المهتم بالتاريخ؟

فقال أحدهم:

- إن الفيلسوف يكشف عن القوانين المتحكمة في الأحداث التاريخية.

فقلت له:

- جيد، إذن يفترض أن هناك منطق ما يحكم الأحداث التاريخية. هناك إذن قوانين تتحكم في عجلة التاريخ. فهناك من يرى مثلا أن الأحداث التاريخية تسير على نحو تقدمي ومتصل وهناك من يرى أن التاريخ يعرف الطفرات والقفزات. وهناك من يرى أن هناك حتمية تحكم السيرورة التاريخية وهناك من يرى أن التاريخ يعرف أحيانا أحداثا عرضية تحدث بالصدفة. وهناك من يرى أن التاريخ يسعى نحو غاية محددة وهناك من يرى أن التاريخ مفتوح على كل الاحتمالات. إذ هذا التضارب في التصورات الذي عرضنا له هو الذي يكون لنا إشكال المحور الثاني من درس التاريخ، والمتعلق بالتاريخ وفكرة التقدم. فكيف يمكن إذن صياغة التساؤلات المتعلقة بهذا الإشكال؟

فقال أحد التلاميذ:

- هل هناك نهاية للتاريخ؟

وقال آخر:

- هل هناك غاية ما تسعى نحوها الصيرورة التاريخية؟

وقال آخر:

- هل التاريخ يتقدم بشكل متصل وتراكمي أم على شكل طفرات وقطائع ؟

وقال آخر:

- هل هناك حتمية في التاريخ أم أن أحداثه تخضع للصدفة ولما هو عرضي ؟

فثمنت هذه التساؤلات بعد أن تدخلت في تشذيبها وتصحيح صياغتها. كما أني استبعدت أخرى لعدم دقتها وابتعادها عن المطلوب.

بعد هذا قلت للتلاميذ:

- اكتبوا معي في الدفتر.

ثم أخذت أملي عليهم بشكل شفوي ما يلي:

- « إن الفيلسوف يهتم بالكشف عن القوانين التي تحكم الأحداث التاريخية، وكذا الغايات التي تسعى نحوها. وهذا سيدفعنا إلى التساؤل: هل هناك منطق تخضع له الأحداث التاريخية؟ هل هناك غاية ما للصيرورة التاريخية؟ وهل التاريخ يتقدم بشكل تقدمي تراكمي ومتصل أم أن هناك طفرات وصدف وأحداث عرضية في التاريخ ؟ ».

بعد هذا، دعوت التلاميذ من جديد لتأمل الجملة الثالثة والأخيرة في نص الوضعية المشكلة. إن الأمر يتعلق بالجملة التالية:

« ويتساءل الفيلسوف أيضا عن ماهية الإنسان، عما يميزه عن سائر الكائنات، فيقول إنه التاريخ ».

ثم خاطبتهم جميعا:

- هل تعرفون بعض التعاريف التي قدمها الفلاسفة للإنسان؟

فقالوا:

- نعم.

فقلت لهم:

- هل يمكنكم أن تقدموا لي بعض الأمثلة؟

فقال أحدهم:

- الإنسان حيوان ناطق أو عاقل.

فقلت له:

- نعم إن التعريف لأرسطو. وقد قدم أرسطو تعريفا آخر، ما هو؟؟

فقال تلميذ آخر:

- الإنسان حيوان سياسي.

فقلت له:

- حسنا، وماذا أيضا؟

قال بعضهم:

- الإنسان حيوان ميتافيزيقي.

وقال البعض الآخر:

- الإنسان حيوان أخلاقي.

وقال آخر:

- الإنسان حيوان صانع.

فقلت للجميع:

- جيد. لكن كيف يمكن الآن تعريف الإنسان انطلاقا من التاريخ؟ هل للتاريخ علاقة بماهية الإنسان؟

فقال أحد التلاميذ:

- نعم هناك علاقة؛ فالإنسان كائن تاريخي.

فعلقت على قوله:

- رائع؛ ها نحن الآن أمام ماهية تاريخية للإنسان. فمثلما نعرف الإنسان انطلاقا من خصائص العقل والوعي والإرادة والأخلاق … فنحن نعرفه أيضا انطلاقا من التاريخ فنقول عنه أنه كائن تاريخي. لكن ما ذا تعني عبارة أن الإنسان كائن تاريخي؟؟؟

فقال أحدهم:

- معنى ذلك أن له ماضي يعود إليه.

فقلت له:

- أليس للحيوانات غير العاقلة ماضي أيضا؟؟

فتردد التلاميذ في الإجابة.

فقلت لهم:

- إن الحيوانات تتصرف انطلاقا من دوافع غريزية موجودة في الحاضر، إنها لا تمتلك خبرات ماضية ولا تستفيد من تجارب الماضي لإنجاز أفعال في الحاضر. كما أن أنماط عيش الحيوانات ثابتة ولا تتغير، بينما نجد أن الإنسان على العكس من ذلك؛ فهو يستفيد من خبرات الماضي ويراكمها من جهة كما أنه يطور أنماط عيشه من جهة أخرى. وهذا ما يجعله كائنا تاريخيا بامتياز.

فوافقني التلاميذ في ذلك.

فقلت لهم:

- إذا كان الإنسان كائنا تاريخيا، فهل معنى ذلك أنه هو الذي يصنع الأحداث التاريخية؟

فقال بعضهم:

- نعم.

وتردد البعض الآخر في الإجابة.

وقال البعض الآخر:

- إن الإنسان لايصنع كل الأحداث بل هناك عوامل تتدخل أحيانا وتسيطر على الإنسان.

فقلت للجميع:

- إننا إذن أمام الإشكال الثالث والأخير من هذا الدرس، وهو المتعلق بدور الإنسان في صنع التاريخ. فكيف يمكن صياغته إذن؟

فقال بعضهم:

- هل الإنسان يصنع التاريخ أم التاريخ يصنع الإنسان؟

وقال آخر:

- هل يتحكم الإنسان في الأحداث التاريخية بإرادته الحرة أم هناك عوامل تتجاوز إرادته هي التي تتحكم فيها ؟

فقلت للتلاميذ:

- إننا إذن أمام إشكال جديد يتعلق بمشكل الحرية، ثم ذكرتهم بإشكال الشخص بين الضرورة والحرية وكيف أنه يتقاطع مع الإشكال الموجود هنا في المحور الثالث من درس التاريخ. وأشرت عليهم بضرورة الانتباه إلى مثل هذه التقاطعات الموجودة بين محاور الدروس وإشكالاتها.

ثم قلت لهم:

- لنسجل إشكال المحور الثالث في الدفتر.

فأخذوا يكتبون وأنا أملي عليهم شفويا كعادتي المعطيات التالية:

« إن كون الإنسان كائن تاريخي هو أمر ربما نفهم منه أن الإنسان هو الذي يحدث الأفعال التاريخية. لكن هل فعلا أن الإنسان هو صانع الأحداث التاريخية أم أن هناك عوامل موضوعية هي التي تتحكم في الصيرورة التاريخية؟ ».

فقلت للجميع لقد أنجزنا إذن تقديما خاصا بالدرس، تعرفنا فيه على محاوره وطرحنا فيه إشكالاته الرئيسية.

فقال أحدهم:

- هل كل هذا هو فقط تقديم للدرس؟

فأجبته بابتسامة عريضة وأنا أتوجه نحو المكتب، وقد أخذ مني التعب مأخذه.

فرد علي التلميذ بنفس الابتسامة.

فجلست على المكتب دقائق معدودة رن بعدها الجرس، فأشرت على التلاميذ بالخروج، فخرجوا وهم يهمهمون بكلام اختلط علي أمر إدراك فحواه.

هكذا انتهت الحصة، فبقيت في مكاني جالسا أنتظر قدوم تلاميذ قسم آخر لخوض تجربة فصلية جديدة.

دمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة.