Generic Viagra generic viagra europe
أكتوبر 31

الغير أمام عزلة الأنا الديكارتية


يقول ديكارت:


« أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم إني أرى رجالا بعينهم، مع أني لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب. لكني أحكم بأنهم ناس: وإذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني».

( ديكارت؛ التأملات، التأمل الثاني، فقرة 14 )

هكذا واعتمادا على الحواس، حاسة البصر، تبين لديكارت أن هؤلاء المارين في الشارع هم رجال، ذلك أنهم يشبهونه على مستوى المظهر الخارجي. لكنه مع ذلك شك في وجودهم كذوات واعية مثله، فافترض أنهم قد يكونون مجرد آلات ترتدي قبعات ومعاطف تحركها لوالب، أي أنه قد أفرغهم من محتوى الفكر و الوعي. وقد عاد مرة أخرى وقال إنه مع ذلك يستدل انطلاقا من عقله أنهم أناس مثله.

هكذا نجد أن ديكارت قد أثبت وجود الغير عن طريق ما يسمى باستدلال المماثلة؛ ومعناه أن نتعرف على ما بداخل الغير من أفكار ومشاعر اعتمادا على الملامح والتعبيرات الجسدية الخارجية. وهو ما يتبين معه أن وجود الغير عند ديكارت هو مجرد وجود استدلالي وافتراضي، إنه مجرد تخمين وقابل للشك. أما وجود الأنا فهو وجود يقيني لأنه موضوع إدراك حدسي مباشر.

لقد شك ديكارت في كل شيء، ولكنه لم يستطع أن يشك في أنه يشك ويفكر وبالتالي فهو موجود. فوجود الأنا عنده وجود يقيني؛ فأنا موجود « حتى ولو كنت نائما دائما وكان من منحني الوجود يبذل كل ما في وسعه من مهارة لإضلالي »، وأنا موجود حتى ولو افترضت أنه لا جسم لي و لا أرض ولا سماء هناك.

من هنا فقد أثبت ديكارت وجوده في عزلة تامة عن الغير، على نحو بطولي وانفرادي، ولم يحتج في ذلك إلى وجود الغير. فوجود الغير في فلسفة ديكارت ليس ضروريا لوجود الأنا ووعيه بذاته، لأن الوعي عنده ينكفئ على الذات ويتم داخلها؛ فقد يفكر الأنا في ذاته ويعيها دونما حاجة في ذلك إلى وجود الغير.

فوجود الغير إذن هو مجرد وجود جائز ومحتمل، إنه وجود افتراضي وليس ضروريا لوجود الأنا ووعيه بذاته.

لكن كيف يمكن لديكارت أن يعرف أن الغير هو أنا آخر وليس مجرد آلة ؟؟

واضح أن ديكارت حينما نظر من النافذة إلى هؤلاء المارة، فهو اعتمد في ذلك على الإدراك الحسي البصري الذي لا يقدم له سوى المستوى الظاهري الخارجي من الغير، وهو الجسم فقط. ولذلك فديكارت كفيلسوف عقلاني لا يثق في شهادة الحواس، إنه يعتبرها خادعة إذ العقل هو الذي يمكن من بلوغ الحقيقة. فالحواس لم تقدم لديكارت سوى الحقيقة التالية: إنه يرى آلات أو أجساما تتحرك بفعل لوالب؛ إذ من الصعب على الحواس أن تتجاوز مستوى الظاهر وتقدم لديكارت معلومات عن باطن هؤلاء المارة؛ هل هم فعلا بشر لهم أفكار وأحاسيس مثله أم هم مجرد آلات متحركة ؟

وإذا كانت الحواس لا تستطيع إثبات وجود الغير، فكيف يمكن إثباته إذن؟ كيف يمكن إذن الانتقال من الظاهر إلى الباطن؟ كيف يمكن الاستدلال على وجود الوعي من المظاهر الخارجية للجسد ؟

من المعروف أن ديكارت، بعد عملية الشك، أثبت وجود أناه على نحو حدسي ويقيني. لكنه صعب عليه أن يثبت وجود الغير بنفس الكيفية الحدسية المباشرة واليقينية، ولذلك فقد لجأ في إثباته للغير إلى طريقة استدلالية غير مباشرة؛ إنها المتمثلة في استدلال المماثلة. ويرتكز هذا الاستدلال على الانطلاق من الظاهر لمعرفة الباطن؛ كأن أعرف خجل الغير من احمرار وجهه، أو أعرف فرحه من ابتسامته وهكذا. فديكارت حينما نظر من النافذة لم يستطع أن يرى بعيونه <حاسة البصر> سوى الآلات وليس البشر. لكن ما الذي جعله يحكم بعقله أنهم بشر وليسوا آلات ؟

إن مرد حكمه فيما يبدو هو أنهم يشبهونه على مستوى الجسم والظاهر ، فهم لا يبدون كالأشجار أو الكلاب أو القطط أو الأفاعي مثلا بل يظهرون مثله كبشر. وهذا الظاهر الذي يتبدون من خلاله هو الذي جعل ديكارت يفترض أنهم بشر مثله؛ أي أن لهم وعي أيضا، وأنهم أنواة أخرى أيضا تشبه أناه هو. لكن في جميع الأحوال يظل إثبات الغير على النحو الاستدلالي مجرد إثبات افتراضي لا يرقى إلى مستوى الإدراك الحدسي العقلي اليقيني. ولذلك قال الفيلسوف مالبرانش: إن وجود الغير هو مجرد تخمين فقط.

مع ديكارت سيتبلور بوضوح مفهوم الشخص باعتباره مركز العالم انطلاقا من كونه ذاتا مفكرة يتعين عليها أن تؤسس الحقيقة انطلاقا من نفسها. ومعلوم أن ديكارت وقبل أن يتوصل إلى أية حقيقة، فهو قد بدأ في الشك في كل شيء بما في ذلك وجوده ليتوصل إلى أن هناك حقيقة أولية بسيطة لايطالها الشك وهي “أنه يشك” أي يفكر، وبالتالي فهو يقينا يوجد كذات أو كجوهر مفكر، أما كيف يتم إدراك الذات، فإن ديكارت يجيب أن هذا الإدراك يتم عن طريق حدس عقلي مباشر.

إن تأسيس وجود الذات على أساس فعل الوعي الذي هو فعل داخلي ومكتف بذاته يجعل الأنا سجينة عالمها الداخلي، كما يجعلها غير قادرة على إثبات وجود الغير كأنا آخر إلا عن طريق الاستدلال بالمماثلة، أي عن طريق الافتراض بأنه ذات مثله مثل الأنا انطلاقا من الصفات والخصائص الخارجية التي تتشابه بينهما. وهذا ما يبدو من خلال قول ديكارت: «أنظر من النافدة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول إني أرى رجالا يعينهم، مع أنه لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب، لكني أحكم بأنهم ناس».

وما يمكن ملاحظته هنا هو أن إثبات وجود الغير يتم عن طريق الحكم العقلي الاستدلالي، وهو حكم افتراضي لا يرتقي إلى مستوى الحدس العقلي واليقيني الذي يتم به إثبات وجود الأنا.

هكذا فالنتيجة المنطقية لفلسفة الذات عند ديكارت هو وقوع الأنا في نوع من العزلة والوحدانية التي تجعله ينكفئ على ذاته، ويعيها، ويثبت وجودها إثباتا حدسيا، يقينيا ومباشرا دون أية حاجة إلى وجود الغير.

فوجود الغير في فلسفة ديكارت، هو وجود غير ضروري بالنسبة لوجود الأنا ووعيه بذاته، إنه مجرد وجود افتراضي قابل للشك، محتمل وجائز.