Generic Viagra generic viagra europe
ديسمبر 07

الوعي واللاوعي


يعتبر الوعي خاصية جوهرية تميز الإنسان عن باقي الأشياء والكائنات الأخرى. فالوعي يصاحب كل أفعال الإنسان وأفكاره، وهذا ما يسمى بالوعي التلقائي. كما يرتبط الوعي بالشعور وبمجموع الأحاسيس التي تجري داخل الذات، وهذا ما يسمى بالوعي السيكولوجي. كما أن الوعي يتمظهر على مستوى الحياة العملية، فنتحدث عن وعي أخلاقي أو وعي سياسي مثلا. فللوعي عدة أشكال ومظاهر، غير أن الدراسات الفلسفية والنفسية وضعت الوعي موضع استشكال ونقد، واعتبرته غطاءا خارجيا لا يمثل سوى سطح الذات أو الجهاز النفسي، بينما يمثل اللاوعي الجزء العميق من الذات.

فما هو الوعي؟ وما دور الحواس في تشكله ؟ وما علاقته باللاوعي؟ ومن منهما يتحكم أكثر في أفعال الإنسان وأفكاره؟ وهل يقدم لنا الوعي صورة حقيقية عن أنفسنا وعن الواقع؟

1- الوعي والإدراك الحسي:

يمكن أن نعرض هنا لموقف أب الفلسفة الحديثة روني ديكارت، الذي ذهب إلى أن الوعي حقيقة بديهية تدرك عن طريق الحدس العقلي، بحيث لا يرقى إليه الشك أبدا. كما اعتبره خاصية أساسية وثابتة تميز الأنا كجوهر مفكر. فأنا أشك – يقول ديكارت- ، وما دام الشك نوع من التفكير، فأنا أفكر. وإذا كنت أفكر، فأنا موجود. هكذا صاغ ديكارت ما أصبح يعرف بالكوجيطو الديكارتي: أنا أفكر، فأنا موجود.

وقد تساءل ديكارت: ” أي شيء أنا…؟” وأجاب: أنا شيء مفكر. ثم أعقب ذلك بالتساؤل:”ما الشيء المفكر؟”، وأجاب: إنه شيء يشك ويفهم ويتصور ويثبت وينفي … فللأنا المفكر خصائص مثل الشك والتصور والتخيل والإحساس، وهذه الخصائص لا تنفصل عنه. كما يتميز الأنا المفكر بالوحدة والثبات؛ فبالرغم من أنه تصدر عنه عدة أفعال، فإنه يظل هو هو وفي تطابق مع نفسه.

وإذا كان الأنا يفكر فهو موجود. وهذا الوجود هو وجود يقيني لا يرقى إليه الشك. فأنا موجود حتى في حالة النوم، وحتى في افتراض أن هناك قوة عليا تحاول أن تخدعني أو تضللني.

وبخلاف ذلك، أكد الفيلسوف التجريبي دفيد هيوم ( D.Hume ) أنه لا يمكن للأنا أن يعي ذاته ويشعر بها من دون عملية إدراكية حسية. وبزوال الإدراك الحسي يزول الوعي بالذات، ولا يعود الأنا موجودا. فلا يمكن أن يحصل الوعي بالذات إلا من خلال الإدراك الحسي. بحيث يعتبر هدا الأخير شرطا أساسيا لوعي الأنا بذاته، وحيث أن الإدراك الحسي يزول بزوال الموت، فإنه يزول معه الوعي، فلا يعود الأنا موجودا، أي يغدو عدما خالصا.

أما الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط ( E.Kant فقد رأى أن الإنسان يتميز عن الحيوانات والأشياء بقدرته على تصور ذاته ووعيه بها، وهو ما يجعله كائنا حرا، مسؤولا وذا كرامة لا تقدر بثمن. ويرتبط الوعي بالذات لدى الإنسان بالنطق بلفظ أنا، أو على الأقل امتلاك تصور عنها.

فلا يمكن الوعي بالذات إلا من خلال النطق بلفظ أنا، أو على الأقل امتلاك مدلول عنها؛ فحينما يبدأ الطفل بالنطق بلفظ أنا، فإنه ينتقل من الإحساس الحسي المباشر بذاته ليرتقي إلى مستوى التفكير فيها والوعي بها.

والوعي بالذات هو الذي يمنحها هويتها، أي يكسبها وحدتها وتميزها عن باقي الأشياء والكائنات. كما يمنح الوعي للإنسان قيمة وكرامة لا تقدر بثمن.

وقد قارن كانط بين الإنسان من جهة، والحيوانات والأشياء من جهة أخرى. وذلك من أجل إثبات أن الإنسان يتميز عنها بالخصائص الرئيسية التالية: العقل، الوعي، الحرية، المسؤولية والكرامة.

كما قدم لنا ثلاثة أمثلة؛ يتعلق أولهما بذلك الإنسان غير القادر على النطق بالأنا، مثل الأبكم مثلا، نظرا لوجود مشكل في أعضاء النطق. وقد أراد أن يبين أنه بالرغم من ذلك، فإنه تظل لهدا الإنسان القدرة على امتلاك تصور لأناه، مما يؤهله لكي يكون كائنا واعيا. ويتعلق ثانيهما بمثال اللغات التي قد لا تتوفر على صيغة تعبيرية عن ضمير المتكلم أنا، لكنها مع ذلك تكون مضطرة إلى أن تتوفر على مدلول أو تصور أو فكرة عنه. أما المثال الثالث، فيتمثل في ذلك الطفل الذي لا يكون في بداية تعلمه للغة قادرا على الإشارة إلى نفسه بلفظ أنا، وحينما يبدأ بالنطق به فإنه ينتقل من مستوى الإحساس الحسي الغريزي إلى مستوى التفكير والوعي بالذات.

وقد رفض العالم البيولوجي المعاصر شونجو أن يكون الوعي موضوعا للدراسات اللاهوتية و الأدبية، بل يجب تفسيره وإخضاعه للتجارب العلمية الدقيقة. و يري أن كل نشاط عقلي هوعبارة عن نشاط عصبي؛ فالحواس تتعرض إلي منبهات خارجية و تقوم بإرسالها إلى الجهاز العصبي الذي تقوم خلاياه، وبكيفية معقدة، بإحداث نشاط عقلي هو الذي يعبر عنه بما يسمى بالوعي .

هكذا قدم لنا شونجو تفسيرا ماديا فزيولوجيا لمسألة الوعي، والذي يلعب الإدراك الحسي دورا كبيرا في إنتاجه. فالوعي هو نشاط عقلي مرتبط بخلايا الجهاز العصبي للدماغ ولا يمكن تصوره بدونه.

كما أن النشاط العقلي هو نشاط عصبي مشروط فيزيولوجيا؛ أي أنه مرتبط بوظائف خلايا الجهاز العصبي .

أما الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل (1872-1970)، فقد اعتبر أن الوعي هو مجموع ردود أفعال الإنسان تجاه مثيرات الوسط الخارجي، و معرفته بهذه الردود في نفس الوقت. لكن مع ذلك يعترف راسل بالغموض الذي يتخلل لفظ الوعي و صعوبة تحديده بدقة.

فالوعي عند راسل هو عبارة عن ردود أفعال الإنسان تجاه الوسط الذي يعيش فيه. كما أنه يشير أيضا إلى نوعية الأفكار و العواطف التي نكونها عن أشياء العالم الخارجي. ويعب الإدراك الحسي دورا أساسيا في تشكيل هدا الوعي، باعتبار أن الإدراك الحسي هو تكوين معرفة بأشياء العالم الخارجي عن طريق عملية التلقي التي تتم بواسطة الحواس من جهة، و عملية التأويل التي يقوم بها العقل من جهة أخرى. كما يتمظهر الوعي من ناحية أخرى من خلال عملية الاستبطان، الذي هو نوع من التأمل الباطني في الذات من أجل إدراك ما تحمله من ذكريات و أفكار ومشاعر وخبرات سيكولوجية مختلفة.

2- مظاهر اللاوعي:

وإدا كانت الفلسفة الكلاسيكية قد اعتبرت الإنسان وعيا بالدرجة الأولى، فإنها قد أغفلت الجوانب اللاواعية في الإنسان، وهو ما سيتم الانتباه إليه في الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة. وفي هدا السياق، عمل المحلل النفسي والفيلسوف سيغموند فرويد على الدفاع عن فرضية اللاشعور كفرضية ضرورية ومشروعة. هكذا اعتبر فرويد أن هناك الكثير من أفعال الإنسان وأفكاره لا يمكن تفسيرها انطلاقا من الوعي، بل هي صادرة عن دوافع لاواعية. وهذا ما يجعل فرضية اللاوعي ضرورية ومشروعة، خصوصا وأن الممارسة الطبية النفسية أثبتت نجاحها ومشروعيتها. ويدل اللاوعي على ذلك الجانب العميق والخفي في الجهاز النفسي، والذي يحتوي على دوافع ورغبات غريزية ومكبوتة. وتجد تلك الدوافع اللاواعية تجليات لها في عدة مظاهر، من بينها فلتات اللسان وزلات القلم والهفوات والأحلام والإبداعات الأدبية والفنية … كأشكال تعبيرية تتيح لتلك الدوافع والرغبات العميقة أن تطفو إلى السطح وتعبر عن نفسها بكل حرية.

وقد قدم فرويد مجموعة من الحجج لإثبات مشروعية فرضية اللاوعي؛ منها أن معطيات الوعي ناقصة ولا يمكنها تفسير وفهم الكثير من الأفعال النفسية كالهفوات والأحلام مثلا. كما تثبت التجربة اليومية أن هناك أفكار تخطر على الإنسان دون أن يكون مصدرها هو الوعي، فإذن لا يمكن أن تكون صادرة إلا عن دوافع لاواعية. فضلا عن ذلك فإن فرضية اللاوعي هي فرضية مشروعة لأن التجربة العلمية أكدت نجاحها على مستوى علاج

الكثير من الأمراض النفسية.

إن فرويد يمنح الأسبقية للاشعور أو اللاوعي في تفسير الأنشطة الصادرة عن الجهاز النفسي .فالجزء الأكبر في هذا الجهاز تحتله الدوافع اللاشعورية التي تقف وراء معظم أفعال الإنسان و إبداعاته الفكرية و الفنية .

ويتكون الجهاز النفسي حسب فرويد من الهو والأنا والأنا الأعلى. فالهوهو أصل الجهاز النفسي، ويمثل الرغبات الغريزية التي تهدف إلى تحقيق اللّذة الحسية. كما أنه لاعقلي، لاشعوري، لا منطقي ،لا زماني و لا مكاني، أي لا يقيم اعتبارا لا لمبادئ العقل والمنطق والأخلاق، ولا لمقتضيات الزمان والمكان والواقع، أثناء تحقيقه لرغباته الغريزية. أما الأنا فينشأ عن اصطدام رغبات الهو بالواقع، و يمثل منطقة الصراع في الجهاز النفسي حيث يقوم بوظيفة أساسية، هي التوفيق بين الرغبات اللامعقولة للهو و الأوامر المثالية للأنا الأعلى. وإذا كان الأنا يتحكم فيه مبدأ الواقع، فإن الأنا الأعلى يمثل مبدأ المثال؛ إذ تتحكم فيه مجموعة من القيم الأخلاقية العليا (الضمير الأخلاقي )، وهو ينشأ عن تقمص الطفل للأوامر العليا لوالديه أو لمن يعتبرهم قدوة بالنسبة إليه .

وإذا كان الوعي هو معرفة مباشرة بالحالات النفسية، و مجاله هو مجموع العواطف و الأفكار والصور التي تؤسس الحياة العقلية لكل فرد، فإن اللاوعي هو جانب عميق في الحياة النفسية يتكون من الميولات والرغبات المكبوتة، و التي تعبر عن نفسها في النكت وزلات القلم وفلتات اللسان والأحلام … ذلك أن الحلم هو تعبير رمزي عن رغبات لاشعورية يصعب تحقيقها في الواقع نظرا لرقابة الأنا والأنا الأعلى، فيحتال عليهما الهو ليلا أو نهارا لكي يحقق رغباته في غفلة منهما !! وتفصح الرغبات اللاشعورية عن نفسها أثناء الحلم بكيفية مقنعة و مرموزة . ولدلك اعتبر فرويد بأن “الأحلام هي الطريق الملكي إلى اللاشعور”!! كما دهب إلى“أن الفوضى الظاهرة في الحلم ليست إلا شيئا ظاهريا لا يلبث أن يختفي حينما نمعن النظر في الحلم”.

وإذا كان فرويد قد أكد على دور اللاوعي في توجيه سلوكات الإنسان، فإننا نجد بعض الفلاسفة ينتقدون فكرة اللاوعي هذه ويحاولون من جديد إعادة الاعتبار لدور الوعي في صدور مختلف الأفعال والمواقف عن الإنسان ككائن مفكر وعاقل وواع. وفي هدا السياق، يمكن أن نشير إلى الفيلسوف الفرنسي المعاصر ألان (إميل شارتيي) الذي يرفض فكرة فرويد القائلة بأن اللاشعور هو الذي يتحكم في الذات، و يقول على العكس من ذلك أن أفكارنا و سلوكاتنا هي نتائج للوعي؛ أي لذات فاعلة و متكلمة .

هكدا نجد ألان يعتمد في كتاباته على أسلوب سجالي، يحاول من خلاله أن ينتقد مفهوم اللاشعور كما قدمه علم النفس الفرويدي. فلفظ اللاشعور في نظره هو من نسج خيال فرويد، إنه شخصية أسطورية، كما أنه من الصعب تحديده وفهمه. كما أنه لا يمكن القول بأن الغريزة لاشعورية، والسبب هو أنه لا يوجد أمامها شعور حيواني تتمظهر من خلاله. و هذا يعني أن كل وعي أو شعور هو عقلي و مفكر فيه من قبل العقل الواعي.

وقد اعتبر ألان أن علامات الأحلام عادية و يمكن تفسيرها انطلاقا من نظام رمزي وسهل، و هذا بخلاف فرويد الذي يذهب إلى أن الأحلام ذات رمزية ملتوية و معقدة . ويرفض ألان أن يكون اللاشعور أنا آخر، بل إن كل أفكارنا و سلوكاتنا هي نتاج لإرادة صادرة عن الذات الواعية الفاعلة و المتحكمة.

لقد تم اعتبار الإنسان في الفلسفة حيوانا ناطقا، و تم اعتبار أن الوعي هو السمة الأساسية المميزة له عن باقي الكائنات.هكذا فالوعي عند الفلاسفة كديكارت و سارتر و ألان هو المصدر أو الأساس الذي تنبني عليه كل الحقائق، فسلوكات الإنسان و أفكاره صادرة عن الوعي . غير أن أبحاث فرويد في مجال علم النفس أدت إلى اكتشاف اللاوعي أو اللاشعور، بحيث ثم اعتباره أساس الحياة النفسية و أنه يحتل الحيز الأكبر في الجهاز النفسي، و ما الوعي سوى الجزء الضئيل الذي يتواجد على سطح هذا الجهاز. واعتبر فرويد أن معظم سلوكات الإنسان، و أشكال وعيه بذاته و بالعالم، صادرة عن دوافع لاشعورية تجد تجلياتها في الأحلام و النكت و فلتات اللسان، وفي الإبداعات الفنية و الأمراض النفسية .

وإذا كان فرويد قد ركز كثيرا على الوعي في جانبه الفردي، فإننا نجد غوستاف لوبون يحدثنا عن لاوعي جماعي يهيمن على الحياة النفسية أكثر من الوعي. ويتخذ هذا اللاوعي أو اللاشعور طابعا جماعيا من خلال ارتباطه بروح العرق؛ أي بماضي الجماعة الثقافي والفكري الذي يتوارث جيل عن جيل ويتحكم في الأفراد بشكل لاواعي، ويتمظهر في سلوكاتهم وطقوسهم الإجتماعية.

وروح العرق هو مجموعة من العناصر الثقافية والسيكولوجية التي تميز سلاسة أو عرق معين، وتتوارث جيل عن جيل، وهو يرتبط ارتباطا وثيقا باللاشعور مادام أن هدا الأخير يتكون من عناصر وراثية تشكل روح العرق التي تتميز بها جماعة ما.

إن أفعال الإنسان حسب غوستاف لوبون صادرة عن دوافع لاشعورية تتكون من عناصر وراثية تعود إلى ماضي السلاسة والعرق، وهي عناصر وراثية ثقافية تترسخ لدى الأفراد مع مرور الزمن من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية. هكذا فالعناصر اللاشعورية تتشابه بين كل أفراد العرق الواحد، كالغرائز والانفعالات والمعتقدات المستبطنة … إذ بالرغم من وجود تفاوت في المستوى الفكري والثقافي بين عالم مشهور وصانع أحذية مثلا، فإنهما يتشابهان في الصفات العامة التي يشترك فيها أفراد العرق الواحد كالمزاج والأحاسيس والاعتقادات.

3- الوعي والإيديولوجيا:

وإذا كان الإنسان يعبر من خلال الوعي عن ذاته وعن العالم المحيط به، فهل بإمكان الوعي أن يمنحنا صورة حقيقية عن ذواتنا وواقعنا؟ ألا تتدخل الإيديولوجيا والوهم في تزييف الوعي وقلب صورة الواقع؟ وهل كل ما يقدمه لنا العقل حقيقي؟ ألا يمكن أن تحيط به مجموعة من الأوهام؟ وما هي أهمها؟

يمكن في هذا الإطار أن نقدم موقف فرنسيس بيكون، الذي يرى أن العقل لا يقدم لنا دائما صورة حقيقية عن الواقع وعن أنفسنا، فهو غالبا ما يكون محاطا بكثير من الأوهام، اختصرها بيكون في أربعة أنواع يمكن تحديد خصائصها كما يلي:

* أوهام القبيلة:

- عامة ومشتركة بين كل الناس.

- ملازمة ومتأصلة في الطبيعة البشرية.

- مرتبطة بالعقل البشري الذي يشوه خصائص الأشياء و يغير من شكلها.

* أوهام الكهف:

- ذاتية وخاصة بكل فرد.

- ناتجة عن تجارب الفرد، وقراءاته، وارتباطه بشخصيات نموذجية.

* أوهام السوق:

- خاصة بجماعة بشرية ما.

- تنشأ عن العلاقات التجارية بين الناس.

- ناتجة عن تجمع الناس وتواصلهم بواسطة اللغة كمنشإ للأوهام.

* أوهام المسرح:

- ترتبط بالمعتقدات والمذاهب الفلسفية.

- ناتجة عن قواعد الاستدلال التي يساء استعمالها.

وقد شبه فرنسيس بيكون الأوهام العامة بأوهام القبيلة لأنها تتعلق بالجنس البشري ككل، وشبه الأوهام الذاتية بأوهام الكهف لأن داخل ذات كل فرد يوجد عالم غامض وعميق (اللاوعي) شبيه بظلام الكهف. كما شبه أوهام الجماعة بالسوق لأنها تتعلق بالتجارة وبتواصل الناس بواسطة اللغة، وشبه الأوهام المذهبية بالمسرح نظرا لأن كل مذهب له طقوسه ومشاهده، وأدوار موزعة داخله شبيهة بما يحدث على خشبة المسرح.

وقد شبه بيكون العقل البشري بالمرايا المتراتبة، لأن كلا منهما يقدم صورة مشوهة عن الواقع ويغير من شكل الأشياء. كما شبه المذاهب الفلسفية بالمسرحيات، لأن كلا منهما تخلق في الذهن عوالم وهمية.

كما يعبر العقل أيضا عن أوهامه من خلال الإيديولوجيا، التي تمارس وظائفها حسب بول ريكور من خلال ثلاث آليات :

أ- تشويه الواقع:

حيث تعمل الإيديولوجيا على إنتاج صورة معكوسة عن الواقع.

ب- تبرير الأوضاع القائمة:

حيث تعمل الطبقة المسيطرة على إعطاء مبررات لأفكارها، و إضفاء المشروعية على مخططاتها و مشاريعها.

ج- إدماج الأفراد في هوية الجماعة:

حيث يتم الإحتفال بالأحداث المؤسسة لهذه الهوية و محاولة ترسيخها لدى الأفراد، و تكوين بنية رمزية للذاكرة الجماعية .

وقد اعتبر بول ريكور أن وظيفة الإدماج هي آلية أعمق و أشمل من الوظائف الأخرى؛ لأن و ظيفة الإدماج تتضمن في طيّاتها وظيفة التبرير؛ ذلك أنه لكي تدمج الأفراد في إيديولوجيا معينة يجب بالضرورة أن تقدم لهم تبريرات تسهل عملية إدماجهم، أما إنتاج الوهم فهو ناتج عن فساد يصيب عملية التبرير، أي أن التبرير حينما لا يكون معقولا يلتجأ إلى الأوهام و الأساطير التي تقدم لنا صورة معكوسة عن الواقع الحقيقي .

هكذا فالإيديولوجيا هي نسق من الأفكار و التمثلات التي تحملها جماعة ما حول العالم، و التي لا تعكس موضوعيا الشروط الواقعية لحياة الناس . كما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة تبرير ما يجري على أرض الواقع من سياسة متبعة، وهي بذلك تعمل على فرض نظام سياسي شمولي يعبر عن سلطة كليانية للدولة، تفرض مشاريعها بالقوة وعن طريق زرع الرعب في أفراد الجماعة .

و حينما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة الإدماج، فإن الهدف الأساسي من ذلك هو تشكيل هوية خاصة بالجماعة، و جعل الأفراد ينخرطون داخلها و يستبطنون مقوماتها الأساسية، ويتم ذلك من خلال إشراكهم في إحياء الأحداث المؤسسة للهوية الجماعية و تخليد ذاكرتها .

وقد استشهد بول ريكور بالفيلسوف الألماني ” كارل ماركس ” الذي استخدم الإيديولوجيا بمعنى إنتاج صورة معكوسة عن الواقع .كما اعتبر الإيديولوجيا بمثابةالعلبة السوداء، ذلك بأن الإيديولوجيا تقوم بقلب الواقع مثلما تقوم العلبة السوداء بقلب أشياء الواقع في عملية التصوير الفوتوغرافي .

وهو ما جعله يخرج باستنتاج، مفاده أن الإيديولوجيا هي تصورات عقلية و فكرية لا تعكس حقيقة الناس الواقعية.

ولتوضيح الوظائف الثلاث للإيديووجيا، قدم لنا ريكور أمثلة من الواقع الاجتماعي والتاريخي. هكدا فقد لنا مثالا من التجربة و الواقع هو مثال ” السلطة الكليانية ” كنظام سياسي تتجلى فيه الوظيفة التبريرية للإيديولوجيا. كما قدم لنا مثال ” الإحتفال بإحياء الأحداث التاريخية و السياسية لجماعة ما “، وذلك من أجل توضيح االوظيفة الإدماجية للإيديولوجيا.

وقد اعتبر بول ريكور بأن و ظيفة الإدماج هي أهم وظيفة تقوم بها الإيديولوجيا، لأنها تتضمن في طياتها الوظيفتين السابقتين.

وقد فند كارل ماركس الأطروحة المثالية التي يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل من أبرز ممثليها، والتي تقول بأن الفكر هو الذي يحدد الواقع، وبأن الحياة الاجتماعية نتاج للوعي. وخلافا لهذا يرى ماركس بأن مختلف أشكال الوعي هي انعكاس لما يجري على مستوى الواقع من علاقات اجتماعية ومادية.

وقد اعتبر كارل ماركس أن هناك علاقة وطيدة بين الوعي كأفكار وتمثلات وإيديولوجية من جهة، والحياة المادية الاجتماعية من جهة أخرى. ويذهب إلى أن الحياة المادية هي التي تحدد الوعي وليس العكس. غير أن الإيديولوجية في نظره تقلب الواقع ولا تقدم صورة حقيقية عنه.

من هنا رأى ماركس أن الوعي ليس هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي بل إن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. وهذا ما يجعل أن كل أشكال الوعي من أفكار و تمثلاث دينية وأخلاقية و ميتافيزيقا…هي تجلي وانعكاس للحياة المادية.

و يبرز ماركس أن العلاقة بين الوعي والسلوك المادي تشبه العلاقة بين الإنتاجات الفكرية، سواء كانت قانونية أو أخلاقية أو دينية أو غيرها، والسلوك المادي للبشر؛ إذ يعتبر هذا الأخير هو المحدد سواء لأشكال الوعي المختلفة أو للإنتاجات الفكرية في مجالات الدين والأخلاق والقانون…

وقدم لنا ماركس مثال الغرفة السوداء لآلة التصوير، لكي يوضح لنا أن الناس يبدون مقلوبين في الإيديولوجيا مثلما أن الأشياء تبدو مقلوبة في الغرفة السوداء لآلة التصوير.

كما قدم لنا مثال شبكية العين لكي يبين لنا أن الواقع الإجتماعي المادي ينعكس على مستوى الأفكار الإيدلولوجية مثلما تنعكس الأشياء على شبكية العين، فالظاهرة الأولى تاريخية وثقافية في حين أن الظاهرة الثانية بيولوجية وطبيعية.

وقد أكد ماركس على أن الثقافة الشعبية بما تخلقه من حكايات و أساطير وأفكار وهمية هي أيضا ناتجة عن الحياة المادية للناس، مثلها في ذلك مثل الأفكار و التمثلات الواعية.

وإذا كانت الإيديولوجيا هي مجموعة من الأفكار و التمثلات التي تعبر عن وعي زائف يقلب الواقع و لا يقدم صورة حقيقية عنه، فهل هي ترتبط بالوعي فقط ؟ ألا يمكن القول أنها تكون أحيانا تعبيرا عن دوافع ومكونات لاواعية؟

في إطار الإجابة عن هذا الإشكال، يرى ألتوسير أن الإيديولوجيا بنية جوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية، وأنها عبارة عن مجموعة من الصور والتمثلات والتخيلات التي تعبر عن معاناة الناس بظروف عيشهم، وتفرض نفسها عليهم كبنيات ووفقا لعمليات يجهلون مدلولها. كما تعبر الإيديولوجيا عن آمال وحنين الناس لمجتمع أفضل. وبذلك فهي لا تعكس الواقع الحقيقي للناس، بل تقدم صورة وهمية عنه.

هكذا انتقد ألتوسير أطروحة ماركس التي تربط الإيديولوجيا بالوعي، واعتبرها على العكس من ذلك صورا وموضوعات ثقافية تفرض نفسها على الناس كبنيات لاواعية. والإيديولوجيا في نظره لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تأويلات وقراءات فكرية تصور عالما ممكنا ووهميا أكثر مما تصف واقعا فعليا وحقيقيا.

إن الإيديولوجيا حسب ألتوسير هي عبارة عن صور وخيالات تعبر عن علاقة الناس بعالمهم، وهي في الغالب تقدم صورة وهمية عن الواقع الحقيقي للناس. وهذا ما يجعل العلاقة بين الإيديولوجيا والواقع علاقة لاواعية في جوهرها، فهي علاقة مركبة أو علاقة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات فكرية عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي.

ويعترض ألتوسير على التصور الذي يرى أن الإيديولوجيا زائدة وعرضية في التاريخ، ويعتبر على العكس من ذلك بأنها متجذرة وجوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية.

كما يدحض ألتوسير أطروحة ماركس التي تقول إن الإيديولوجيا هي تمثلات واعية وصادرة عن الوعي، ويقول خلافا لذلك إنها في جوهرها عبارة عن صور وخيالات تفرض نفسها على الناس بكيفية لاواعية.

و يستنتج ألتوسير بأن الإيديولوجيا، كصور وخيالات وتمثلات، تعبر عن معاناة الناس وعلاقتهم بظروف عيشهم. فهي علاقة مركبة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات وتخيلات عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي.

هكذا يعترض ألتوسير على الأطروحة التي تربط الإيديولوجيا بالوعي فقط ، ويعتبرها سجينة للإشكالية المثالية السابقة على ماركس، والتي هي إشكالية تستحضر فقط الوعي والواقع و تعمل على إقصاء دور اللاوعي في تحديد الأفكار والممارسات البشرية.

وهذا ما جعل ألتوسير يعتبر أن التمثلات الإيديولوجية تفرض نفسها على الناس انطلاقا من عمليات خفية لاواعية، يجهلون مدلولها في الغالب !!

وبالرغم من تأكيد الكثير من العلماء والفلاسفة على دور اللاوعي في تحديد مواقف الإنسان وأفعاله، فإنه يمكن التأكيد مع الفيلسوف الفرنسي إريك فايل (1972-1904) على الدور الذي يلعبه الوعي في إعطاء معنى لوجود الإنسان في هذا العالم؛ حيث أكد فايل على أن الوعي هو أساس وجود الإنسان، و بدون هذا الوعي المؤسس لا يوجد معنى بالكل. كما أن التفكير في المعنى هو من اختصاص الفلسفة وليس من اختصاص العلم .