Generic Viagra generic viagra europe
يونيو 04

مجزوءة الأخلاق

ذ.محمد الشبة

الحرية

السعادة

الواجب

المحور 1: الحرية بين الحتمية والإرادة.

الإشكال: إذا كانت الظواهر الطبيعية خاضعة لأسباب حتمية، ألا يمكن القول بأن أفعال الإنسان هي الأخرى خاضعة لمثل هذه الحتميات ؟ وأين يمكن أن تتجلى هذه الحتميات ؟ وإذا كان الإنسان يتميز عن الظواهر الطبيعية باعتباره كائنا واعيا وعاقلا ويمتلك الإرادة، ألا يمكن القول في مثل هذه الحالة أنه يمتلك القدرة على التغلب على تلك الحتميات والتصرف وفق ما يريده ويختاره ؟

1- القول بالإرادة الحرة للإنسان:

ذهب ديكارت إلى أنه قد وجد في نفسه إرادة حرة واسعة وقدرة على الاختيار قوية. والإرادة عند ديكارت تتمثل في قدرة الأنا على فعل الشيء أو عدم فعله دون الإحساس بأي ضغط خارجي. إن الشك والإثبات أو النفي هي أفعال تعبر فعلا عن الإرادة الحرة للذات، التي تمتلك القدرة على الاختيار بين الطرفين المتعارضين. كما أن وقوعي في الخطأ هو دليل آخر على حريتي، لأن الخطأ ناتج عن تجاوز الإرادة لنطاق التصور الذهني؛ أي أن الإرادة قد تطال أشياء لا أحيط بها علما ولا يستطيع إدراكها ذهني، وهو بذلك يخطئ حينما يريد أن يصدر حولها حكما.

وقدرة الإرادة هي قدرة لا متناهية وكاملة في نوعها، إذ أمتلك كل الحرية في أن أريد الشيء أو لا أريده.

2- حرية الإنسان مشروطة بحتميات طبيعية:

يرى ابن رشد أن امتلاك الإنسان لإرادة حرة ولقدرة على الاختيار بين الأضداد هو أمر لا شك فيه، لكن ذلك لا يتم بشكل مطلق وفي غياب أي حواجز، بل هو مرتهن بسببين رئيسيين؛ يعود أحدهما إلى القوانين الحتمية للطبيعة الخارجية، ويعود الآخر إلى قوانين البدن البيولوجية. وبذلك نجد ابن رشد يقول بنوع من الحرية النسبية التي تتأرجح بين قدرة الإنسان الأصلية على الاختيار من جهة، وبين الحواجز التي تقف أمامها من جهة أخرى، سواء تعلق الأمر بحواجز طبيعة الكون الخارجية أو بطبيعة بدنه الداخلية.

هكذا تكون إرادة الإنسان مرتبطة بأسباب حتمية خارجية، تجعلها تجري على نظام محدود، كأن يعرض أمامنا أمر مشتهى من خارج فنشتهيه بالضرورة من غير اختيار، أو نفاجأ بأمر مهروب عنه من خارج فنضطر للهروب منه.

وفي نفس السياق اعتبر اسبينوزا أن «أي شيء كيفما كان لا بد وأنه محدد بعلة خارجية تتحكم في وجوده وفي فعله». ولذلك فالحرية التي يتفاخر بها البعض هي مجرد وهم ناتج عن الجهل بالأسباب الخفية المتحكمة فينا. فنحن وإن كنا على وعي بأفعالنا، فنحن مع ذلك نجهل الأسباب التي تحركنا بالرغم منا. فميل الطفل إلى ثدي أمه، أو الأفعال التي تصدر عن شاب في حالة الغضب الشديد، أو رغبة الجبان في الهرب، أو الكلام الذي يصدر عن الثرثار أو عن المصاب بالهذيان … كل هذه الأفعال وغيرها يسوقها اسبينوزا لكي يثبت أنه بالرغم من أننا نعتقد أنها نابعة من إرادتنا الحرة، لكنها في واقع الأمر ناتجة عن الإكراه الذي تمارسه علينا دوافع خفية نجهل مصدرها.

المحور2: الحرية والقانون.

الإشكال:

كيف يستقيم الحديث عن حرية الفرد في علاقته بالقوانين التي تحكم علاقته بالآخرين ؟ هل يمكن للقانون أن يشكل حماية للحرية ويوفر لها فرصة البروز والانتعاش أم أنه قد يشكل خطرا عليها أو على الأقل يضيق من نطاقها ؟

1- القانون كضامن للحرية ومجسد لها.

بين روسو أنه لا وجود لحرية من دون قوانين؛ فحتى في حالة الطبيعة فالإنسان يخضع للقانون الطبيعي، أما في حالة الدولة فإن خضوع الفرد للقانون لا يعني خضوعا لأي أحد، بل هو تعبير حقيقي عن الحرية. ومن هنا يبدو أن الحرية لا تكمن في الخضوع للأهواء أو الانسياق وراء الميولات الحسية، بل هي تكمن في الامتثال للقوانين التي شرعناها لأنفسنا في إطار من التعاقد الاجتماعي الذي يعبر عن الإرادة الحرة للجميع.

وفي نفس السياق، اعتبر بنيامين كونستان أن الحرية «هي الحق في ألا يخضع الفرد إلا للقوانين» التي يتمتع خلالها بحقوقه المشروعة، المتمثلة في التعبير عن رأيه والتمتع بملكيته واختيار عقيدته وإبراز مواهبه ومؤهلاته… والمساهمة في تدبير شؤون الحكم بطريقة من الطرق. . كما ذهب مونتسكيو إلى القول بأن «الحرية هي حق فعل كل ما تبيحه القوانين». ولذلك سيفقد الفرد حريته إذا ما تصرف بخلاف القوانين، مادام أنه سيتيح للآخرين إمكانية القيام بنفس الفعل، وبالتالي ستنقلب الحرية إلى فوضى مدمرة. وهذا ما جعل مونتيسكيو ينتهي إلى القول بأن «الحرية تحتاج إلى حدود»، هي حدود القوانين طبعا.

2- القانون كأداة لإلغاء الحرية:

لقد تبين إذن أن الحرية بمعناها البشري الحقيقي لا يمكن أن تتم في حالة الطبيعة، بعيدا عن القوانين التي تحكم العلاقات بين أفراد الجماعة البشرية. لكن تحقق الحرية في إطار قوانين الدولة، يعني ولا شك أن هذه القوانين ديمقراطية ويساهم الجميع في اختيارها ووضعها.

لكن ماذا عن القوانين السائدة في الدول الديكتاتورية أو قوانين الطغاة، كما عبر عن ذلك شيشرون قديما ؟ ألا يمكن لمثل هذه القوانين أن تلغي حرية الأفراد وتمنعها من التحقق ؟

إننا بالفعل نعاين أثناء التأمل في التاريخ الطويل للبشرية، أنه طالما تم استعباد الناس والسيطرة عليهم واستغلالهم باسم القوانين، خصوصا حينما لا يشارك الشعب في وضع هذه القوانين أو تفرض عليه عنوة. ولذلك يمكن القول مع شيشرون بأن القوانين لا يمكنها أن تكون دائما مقياسا لحقوق الأفراد وحرياتهم. وهو ما يتطلب ضرورة الحذر منها والعمل على تعديلها وإخضاعها لمراقبة القوانين الأخلاقية المميزة للطبيعة الإنسانية. والقانون الأخلاقي هو قانون كوني غير منحاز، ويمثل إرادة الجميع، ويمكنه أن يمارس الرقابة على القانون السياسي للدول ويجعله يقترب أكثر من تحقيق المثال الأعلى للحرية.

ملاحظة:

اكتفينا في درس الحرية بمحورين فقط؛ إذ أدمجنا المحورين الأولين منه في محور واحد نظرا لأنهما يعالجان نفس الإشكال.

المحور1: تمثلات السعادة:

الإشكال: هل نعرف بالضبط ما هي السعادة؟ وهل يمكن للعقل انطلاقا من اللغة أن يعبر لنا بدقة عن مفهوم السعادة؟ ثم ألا يمكن القول بأن لكل واحد منا تمثله أو تصوره الخاص للسعادة ؟ ألا يجعلنا هذا نذهب إلى أن هناك مدلولات، وأيضا معايير، مختلفة للسعادة؟

1- موقف أرسطو: السعادة ذات طبيعة عقلية وهي غاية في ذاتها.

يعتبر أرسطو أن السعادة ليست ملكة فطرية متاحة للجميع، بل هي فعل يتطلب الجهد والمثابرة. كما أنها غاية من أجل ذاتها، وترتبط بالفضيلة وبالأفعال المطابقة للمبادئ الأخلاقية العليا. وإذا كانت التغذية والنمو والغرائز هي مما يشترك فيه الإنسان مع النبات والحيوان، فإنه وجب البحث عن السعادة في الجانب الذي يخص الإنسان وحده وهو المتمثل في العقل والفكر. وبذلك فالسعادة تكمن في ما هو حق وخير وجميل، أي في الفضائل الأخلاقية الكاملة.

هكذا يرفض أرسطو التمثلات الشائعة حول السعادة، والتي تجعلها تتحدد إما في الثروة المادية أو في ما هو بهيمي وغريزي، أو تحددها في التهافت على المجد والشهرة والتشريفات… ويرى على العكس من ذلك أنها تتمثل في حياة التأمل الفكري والعقلي، الذي من شأنه أن يجعل صاحبه يدرك الفضيلة ويجسدها على المستوى العملي.

2- موقف كانط: السعادة مثل أعلى للخيال وليس للعقل.

لا يمكن في نظر كانط إعطاء أي مدلول عقلي دقيق لمفهوم السعادة. فبالرغم من أن كل واحد من الناس يرغب في أن يكون سعيدا ويسعى إلى بلوغ السعادة، إلا أنه مع ذلك يصعب عليه تقديم تصور عقلي محدد لما من شأنه أن يجعله سعيدا. فلا الثراء ولا كثرة المعارف ولا الصحة ولا العمر الطويل … بإمكانها أن تحدد لنا ما تكونه السعادة!

ولذلك تظل السعادة حسب كانط غامضة وغير قابلة للتحديد النهائي؛ إذ لا يمكن اعتبارها مفهوما عقليا قابلا للصياغة الواضحة والدقيقة، بل إنها تظل تصورا خياليا ينبني على أسس تجريبية وحسية لا متناهية تختلف عند الأفراد حسب الحالات التي يمرون بها.

المحور2: البحث عن السعادة:

الإشكال: ما هو السبيل أو السبل التي تؤدي إلى بلوغ السعادة؟ وهل الوصول إلى السعادة متاح أصلا؟

1- الموقف الأبيقوري: اللذة هي سبيل السعادة.

يذهب أبيقور إلى أن «اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها». وبذلك، اعتبر أبيقور أن جلب اللذة ودفع الألم هو المعيار الأول لكل ما هو خير وسعادة. واللذة عنده هي تلك التي تدفع عنا ألم الجسد وتجنبنا اضطراب الروح، ولذلك لا يجب الإسراف في اللذات حتى لا تنقلب إلى آلام، كما يجب تحمل بعض الآلام التي من شأنها أن تخلق لدينا إحساسا باللذة !!

2- الموقف الرواقي: تكمن السعادة في اتباع العقل والرضا بالمصير.

تتمثل السعادة حسب الرواقي سينيكا في التحرر من سيطرة الرغبات والأحاسيس الغريزية الحيوانية، وذلك عن طريق الاستعمال السليم للعقل الذي من شأنه أن يمكننا من معرفة حقيقة الذات الإنسانية، ويجعلنا نصدر قرارات عقلية صحيحة حول الأشياء يكون مصدرها هو العقل السليم. كما تتمثل السعادة أيضا في الاستقامة ونهج السلوك الأخلاقي الفاضل، وعدم المبالغة في التفكير في المستقبل، والقناعة بما تحقق في الحاضر.

3- موقف روسو: السعادة حنين إلى حالة الطبيعة الأولى.

كان الإنسان حسب روسو يعيش في حالة الطبيعة الأولى حياة بسيطة وسعيدة؛ فقد كان يلبي حاجاته بشكل سهل وتلقائي من أجل حفظ بقائه. لكن صعوبة العيش جعلته يجتمع مع غيره من الناس، وتظهر لديه بعض المشاعر الإنسانية الجديدة كالحب والكراهية والحسد… مما سيؤدي إلى النزاع والصراع الذي سيجعل الإنسان يفقد حالة الطمأنينة والسعادة الأولى. كما أن ظهور الكثير من الكماليات في حالة الاجتماع وتحولها إلى عادات راسخة، سيجعل الإنسان يشعر بالشقاء حينما يفتقدها، كما لا يكون سعيدا حينما يتملكها مادامت كثيرة ولا متناهية!

هكذا يبدو أن الإنسان فقد السعادة إلى الأبد ! مادام أن الرجوع إلى حالة الطبيعة أمر مستحيل!

4- موقف هيوم: تهذيب الذوق كسبيل لبلوغ السعادة.

يكمن السبيل إلى السعادة في رهافة الإحساس من جهة، وتهذيب الذوق ورقته من جهة أخرى. وهذه الرهافة هي التي تؤدي إلى توسيع دائرة إحساسنا بالسعادة وبالشقاء معا !! إذ أنها تجعلنا أكثر تأثرا بالمشاهد المفرحة والمحزنة معا.

لذلك يدعو هيوم إلى نوع من التربية الجمالية عن طريق دراسة الأعمال الإبداعية الجميلة والراقية، لأن من شأن هذه التربية أن تهذب إحساسنا وذوقنا، وتجعلنا نحس أكثر بالسعادة.

المحور3: السعادة والواجب.

الإشكال: هل ترتبط السعادة بالواجب أم أنها ميل طبيعي وتلقائي؟ وهل تكمن السعادة بالضرورة في الامتثال للواجب؟ وهل السعادة والواجب متناغمان أم متنافران ؟ وهل سعادة الفرد تمر بالضرورة من خلال إسعاد الآخرين؟ ثم ألا يمكن القول بأنه لا إسعاد للآخرين إلا عن طريق إسعاد الذات أولا؟

1- موقف راسل: السعادة ليست إحساسا صادرا عن الواجب بل هي اهتمام ودي وتلقائي بالآخرين.

تكمن السعادة الحقيقية في الاهتمام الودي بالأشخاص والأشياء.

هكذا فالشخص السعيد هو الذي يحب الناس تلقائيا، دون أن ينتظر مقابلا لمثل هذا الحب.

من هنا لا يكون دافع الشعور بالسعادة نابعا من إكراه الواجب وإلزاميته، بل نابعا من الميل الطبيعي إلى إسعاد الآخرين وإسعاد الذات معا. ولذلك يقول راسل: «الإحساس بالواجب يكون مفيدا في العمل، ولكنه يكون عدائيا في العلاقات الإنسانية». ذلك أن الناس يريدون أن يكونوا محبوبين بشكل تلقائي وليس عن طريق الإجبار والإكراه الذي يمثله الواجب.

2- موقف ألان (إميل شارتيي): السعادة واجب تجاه الذات والغير معا.

السعادة هي من ناحية واجب على الإنسان تجاه نفسه، كما أنها من ناحية أخرى نتاج للجهد والمثابرة؛ فهي تصنع ولا تمنح.

وإذا كانت السعادة حسب ألان واجبا نحو الذات، فهي أيضا واجب نحو الغير؛ ذلك أن الآلام والمآسي المنتشرة في كل مكان في العالم، تحتم علينا بذل جهود من أجل التغلب عليها وتحقيق السعادة المأمولة. ومن جهة أخرى، يعتبر إسعاد الذات قنطرة ضرورية لإسعاد الغير، ولذلك اعتبر ألان أن أجمل هدية يمكن أن نقدمها إلى الآخرين هي أن نعمل على إسعاد أنفسنا.

المحور1: الواجب واّلإكراه:

الإشكال: هل يمكن أن يكون الواجب حرا أم أن قبوله لا يتم سوى تحت الإكراه ؟ وهل يستمد الواجب سلطته من وازع عقلي داخلي أم يستمدها من إلزام خارجي؟

1- موقف هيوم: الواجب إلزام صادر عن المنفعة وضرورات المجتمع.

الواجب راجع إلى عاطفة أو إحساس نابع من التجربة والمجتمع اللذين يجعلان الإنسان يتشبث بالحسن لما يجلبه له من منفعة، ويبتعد عن القبيح لما يجلبه له من ضرر.

هكذا فالطابع الإلزامي للواجب عند هيوم مرتبط بالآثار المترتبة عنه على مستوى الحياة الاجتماعية. والتجربة وحدها هي التي تبين لنا مدى ما نجنيه من منفعة أو فائدة إذا ما تقيدنا بأوامر الواجب. من هنا فإلزامية الواجب صادرة عن دوافع خارجية، كما أنها ترتبط بالمنفعة وبالنتائج المفيدة المترتبة عنها. وهو الأمر الذي سيرفضه إيمانويل كانط.

2- موقف كانط: الواجب التزام حر، نابع من الذات وغير مشروط.

يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، ولا يتصرف إلا طبقا لإرادته الخاصة. هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي، لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية.

ويرى كانط من جهة أخرى بأن الإرادة لا تخضع دوما لأوامر العقل، لذلك يمارس عليها هذا الأخير نوعا من الإكراه، إلا أنه إكراه حر؛ مادامت الإرادة تخضع للقانون الأخلاقي الصادر عن العقل من أجل مقاومة التأثير الذي تمارسه الميولات الغريزية من جهة، ومن أجل المحافظة على كرامة الإنسان واحترامه من جهة أخرى.

ويتميز الواجب الأخلاقي بكونه غير مشروط بأية نتائج منتظرة، فهو يحمل غايته في ذاته، كما أنه ذو صبغة كونية وشمولية. وهو زيادة على ذلك يتسم بطابعه الصوري والعقلي المجرد.

وبالرغم من هذا الطابع الصوري والكوني للواجب الأخلاقي عند كانط، فهو يعبر عن حرية الإنسان والتزامه بقوانين كونية نابعة من العقل، كما يجعله يتصرف كما لو كان في نفس الوقت مشرعا وفردا في مملكة الإرادة.

المحور2: الوعي الأخلاقي:

الإشكال: ما هو مصدر الوعي الأخلاقي؟ وأين يجد أساسه ومبدأه؟

1- موقف روسو: الفطرة كأساس للوعي الأخلاقي.

إن أساس الوعي الأخلاقي عند روسو هو مبدأ فطري يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر. وهذا المبدأ هو ما ينعته روسو بالوعي الأخلاقي الذي يصدر عن إحساس عميق في النفس البشرية، يمكنها من إصدار أحكام على الأفعال ووصفها بالخيرة أو الشريرة.

ويميز روسو بين معرفة الخير ومحبته؛ فمعرفة الخير هي معرفة عقلية مكتسبة، لكن محبته هي نابعة من إحساس فطري لدى الإنسان. من هنا فالوعي الأخلاقي عند روسو هو غريزة إلهية خالدة ومعصومة، وهي الضامنة والمرشدة للإنسان بحيث تمكنه من التمييز بين الخير والشر، وتمنح أفعاله صبغة أخلاقية متميزة.

2- موقف نيتشه: يجد الوعي الأخلاقي أساسه في العلاقات التجارية الأولى بين الناس.

نشأ الوعي الأخلاقي في إطار علاقة تجارية بين الدائن والمدين؛ حيث أن هذا الأخير عجز عن أداء ما عليه من دين للأول، باعتباره واجبا عليه، فعوض له ذلك بخضوعه له وانصياعه لأوامره. من هنا فأصل الوعي الأخلاقي، وبالتالي أصل الخير والشر، هو تلك القيم والواجبات التي وضعها الدائنون ليعاقبوا بها المدينين ويصبحوا سادة عليهم.

إن العقاب في هذه الحالة لم يتخذ شكل تعويض مالي أو عقاري، وإنما اتخذ شكل عقاب معنوي وأخلاقي. وقد ترتب عنه ظهور مبادئ وواجبات وأوامر يكون لزاما على المستضعفين الخضوع لها من أجل المحافظة على حياتهم.

هذه إذن هي العلاقة التاريخية الأولى التي كانت وراء تشكل الوعي الأخلاقي، في نظر نيتشه، غير أن العبيد والمستضعفين فيما بعد عملوا على قلب القيم الأخلاقية ومنحوها معاني جديدة تخدم مصالحهم.

المحور3: الواجب والمجتمع:

الإشكال: هل الواجب الأخلاقي هو مجرد صدى لصوت المجتمع أم أنه يتجاوزه إلى مستوى الإنسانية ككل ؟ وهل هو خاص يتعلق بكل مجتمع على حدة أم أنه كوني يتعلق بجميع الناس ؟

1- موقف دوركايم: الواجب الأخلاقي هو ترديد لصوت المجتمع.

إن مصدر الواجب عند دوركايم هو المجتمع الذي هو كائن معنوي يتجاوز الأفراد ويؤثر فيهم. هكذا فلدى الأفراد مشاعر عديدة تعبر عن صوت المجتمع الذي يحيى داخل ذواتهم، ويمارس عليهم نوعا من القهر والإكراه الخفي. فالضمير الأخلاقي إذن هو تعبير عن صوت المجتمع، وهو يتردد داخل الذات الفردية بلغة الآمر والناهي، مما يجعله يتمتع بسلطة قاهرة ويمنح بالضرورة لقواعد السلوك الفردي صفة الإكراه المميزة للإلزام الأخلاقي.

2- موقف برجسون: من الواجب إزاء المجتمع إلى الواجب إزاء الإنسان.

يحدد المجتمع للأفراد واجباتهم وقواعد سلوكهم اليومي. ويتم خضوع الفرد للمجتمع بنوع من الآلية والعفوية التي لا يكاد يشعر الأفراد خلالها بذلك الضغط الممارس عليهم من قبل المجتمع. غير أن هذه الواجبات تتحول إلى عادات محدودة وذات طابع سكوني ومنغلق، مما يحتم ضرورة الانتقال بها إلى مجال المجتمع المفتوح الذي هو الإنسانية ككل.

من هنا يرى برجسون أن علينا واجبات نحو الإنسان كإنسان، كاحترام حياة الآخرين واحترام حرياتهم ومعتقداتهم، ولذلك يجب ترسيخ قيم وواجبات كونية من شأنها أن ترسخ السلم والتسامح بين كل أفراد بني الإنسان.