Generic Viagra generic viagra europe
نوفمبر 05

تأطير عام لمجزوءة

الفاعلية والإبداع


إذا كان الإنسان كائنا واعيا وراغبا واجتماعيا بطبعه، فهو أيضا كائن فاعل وصانع ومبدع. وتتجلى فاعليته الإبداعية على مستوى الطبيعة من خلال سعيه الدائم إلى رسم ذاتيته عليها، والعمل على تغييرها للاستفادة من طاقاتها من خلال ما يخترعه من آلات تقنية. وبقدر ما كانت التقنية نتيجة للأبحاث العلمية النظرية، فقد أصبحت موجهة لها ومتحكمة فيها. ولذلك تناول الفلاسفة ماهية التقنية ومنطقها وعلاقتها بالعلم، كما تدارسوا علاقتها بالأهداف الإيديولوجية والمخططات الاقتصادية والاجتماعية. وإذا كان للتقدم التقني آثار إيجابية على الإنسان والمجتمع، فإن له أيضا آثار سلبية يتعين على العقل الفلسفي نقدها وتعريتها.

وتتجلى الفاعلية الإبداعية للإنسان أيضا من خلال الشغل الذي يعتبر خاصية إنسانية، وفاعلية تدخل الإنسان والطبيعة في علاقة منتجة لقيم نافعة. وقد نجم عن التطور التقني الذي عرفته المجتمعات الصناعية في أوروبا ازديادا في عدد المصانع وبروز ظاهرة تقسيم الشغل. وبقدر ما ترتب عن هذه الظاهرة من إيجابيات كوفرة الإنتاج وتحقيق الرفاهية المادية، فقد كانت لها انعكاسات سلبية على العمال تجلت في تبليدهم واستغلالهم واستلابهم. وهذا ما سيجعل الفكر الفلسفي يتناول هذه الظاهرة بالنقد والدراسة والتحليل.

كما تتجلى هذه الفاعلية في إبداع الإنسان لمختلف الأعمال الفنية التي يسعى من خلالها إلى إبداع عوالم رمزية جديدة؛ كعالم الشعر والمسرح والرواية وغير ذلك. ومن شأن هذه العوالم أن تخلصه من رتابة العالم الحسي وتفتح أمامه آفاقا واسعة للتأمل والتخيل. ولذلك يتعين هنا الوقوف عند الدلالة الحقيقية للفن، وتميزه عن باقي الأعمال الأخرى التي يجسد فيها الإنسان فعاليته الإبداعية، مثل تميز العمل الفني عن العمل الحرفي أو اختلافه مع الممارسة العلمية والفكرية. وإذا كانت العملية الفنية تفترض طرفا ثالثا، بالإضافة إلى الفنان والعمل الفني، هو المتلقي، فإن هذا الأخير يصدر أحكاما على الإبداعات الفنية تختلف باختلاف الطباع والأمزجة من جهة، واختلاف المرجعيات الثقافية والاجتماعية من جهة أخرى. ولذلك سيتم التساؤل عن طبيعة الحكم الجمالي وعن تأرجحه بين ما هو ذاتي وفردي من جهة، وما هو عام ومشترك من جهة أخرى. كما يمكن إثارة اختلافه عن باقي الأحكام الأخرى؛ مثل الحكم الحسي والحكم الأخلاقي.

وإذا كانت قلة من الناس هي التي تبدع أعمال فنية، وجب التساؤل هنا عن مقومات الإبداع الفني لدى هؤلاء المبدعين. وهذا ما سيجعلنا نثير دور كل من الموهبة كملكة فطرية وطبيعية من جهة، والتعلم والممارسة كبعدين ثقافيين من جهة أخرى، في جعل الإبداع الفني ممكنا.

ومادمنا نجد الفنان يعالج في أعماله الفنية قضايا وظواهر طبيعية واجتماعية، أو يعبر فيها عن مشاعر روحية ووجدانية، فإن هذا يثير إشكال علاقة الفن بالطبيعة والواقع. وقد قال فلاسفة منذ القديم، مثل أفلاطون وأرسطو، بفكرة المحاكاة، ولذلك وجب الوقوف عند هذا المفهوم في إطار معالجة إشكالية الفن والواقع، وذلك من أجل تحديد العلاقة الممكنة بين الجمال الطبيعي والفني، وتبيان دور الوعي والروح في سمو الإبداع الفني وتحديد مختلف وظائفه بالنسبة للإنسان.

وبالرجوع إلى الفاعلية الإبداعية للإنسان دائما، نجد أن إبداع الإنسان لا ينحصر فقط في مجالات التقنية والشغل والفن، بل يطال مجالا آخرا هو مجال التبادل. فبخلاف جماعات الحيوانات التي تحيى نمط عيش طبيعي منغلق وقار، نجد أن المجتمع البشري يتميز بحركيته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في إطار أشكال مختلفة من التبادل، يتم تقسيمها عادة إلى شكلين رئيسيين: التبادل المادي الذي يشمل البضائع والأشياء المادية عموما، والتبادل الرمزي الذي يتعلق بالأفكار والمشاعر وما إلى ذلك. وهذا التمييز يستدعي ضرورة الوقوف عند حقيقة ظاهرة التبادل وأهميتها في المجتمعات البشرية من جهة، والوقوف عند التداخل الممكن بين التبادل المادي والتبادل الرمزي، وإمكانية الكشف عند الحدود الفاصلة بينهما.

وعلى العموم فإن التأمل في مجالات الفاعلية والإبداع لدى الإنسان يكشف لدى عن ماهيته وحقيقته المتخفية؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يقول لنا من هو بمجرد الكلام النظري، بل لا بد أن يعرفنا من هو بواسطة ما يصنعه ويبدعه من أعمال في مجالات مختلفة. ولذلك يمكن في هذا السياق الإحالة إلى القول المشهور: “قل لي ماذا صنعت؟ أقل لك من أنت”. كما نتذكر هنا الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارتر الذي ذهب إلى القول بأن الإنسان عين ما يفعل، وأننا لا يمكن أن نعرف ماهيته بشكل قبلي ومجرد، بل إننا لا نعرفها إلا من خلال ما يصنع بنفسه أثناء وجوده الإنساني. وبين أن مثل هذا الصنع هو ما يتجسد في مختلف الأعمال التي تكشف عن الفاعلية الإبداعية للإنسان، والتي يسعى من خلالها إلى تجاوز حالات النقص التي تميز وجوده، كما يسعى من خلالها إلى إبراز قدراته وتأكيد ذاته سواء في علاقته بالطبيعة أو مع الآخرين.