Generic Viagra generic viagra europe
نوفمبر 17

أهلا بالجميع


أقدم لكم مقالا نشر في ملحق “ملتقى الفكر” بجريدة الأحداث المغربية بتاريخ 16 نونبر 2012، العدد 4820 ، وهو مقال أتناول فيه مفهوم المخيال كما يوظفه المفكر محمد أركون في نقده للفكر الإسلامي، ويحلل من خلاله الخطابات الإسلامية من أجل الكشف عن مختلف التلاعبات والتحريفات والتوظيفات الإيديولوجية التي يتعرض لها المخيال الديني في مختلف اللحظات التاريخية العصيبة.

ملاحظة: لقد وقع خطأ عن طريق السهو في كتابة اسم كاتب المقال؛ بحيث كتب في الجريدة بأن اسم صاحب المقال هو محمد الشاوي، في حين أن الصحيح هو محمد الشبة. ولذا وجب التنبيه.


دور مفهوم المخيال في قراءة محمد أركون للفكر الإسلامي

بقلم: محمد الشبة

لقد أدى اهتمام أركون بالبعد الأسطوري والمجازي إلى تدعيم ترسانته المفاهيمية في مقاربة النص الإسلامي، بمفهوم المخيال (Imaginaire)الذي تمت بلورته في الأبحاث الأنثروبولوجية وعلم التاريخ المعاصر. فهذا المصطلح يحتل أهمية مركزية في فكر أركون، الذي يستخدمه كرد فعل على التطرف المادي أو الماركسوي في دراسة التاريخ. فليس العامل المادي وحده هو الذي يحسم حركة التاريخ، بل إن العامل الرمزي يلعب دوره أيضا في هذه الحركة.

و يتشكل المخيال في الذاكرة الجماعية أو في الذهن من خلال سيرورة تاريخية طويلة، حيث يكون بالإمكان استغلاله سياسيا وإيديولوجيا في اللحظات التاريخية العصيبة. فهو يضرب بجذوره في أعماق اللاوعي عبر تشكله خلال مختلف المراحل التاريخية. هكذا نتحدث مثلا عن مخيال إسلامي ضد الغرب، أو مخيال غربي ضد الإسلام. فالمخيال هنا هو ” عبارة عن شبكة من الصور التي تستثار في أية لحظة بشكل لاواع وكنوع من رد الفعل. بل ويوجد مخيال كاثوليكي ضد البروتستانت أو بروتستانتي ضد الكاثوليك، أو شيعي ضد السنة أو سني ضد الشيعة،الخ… كل فئة تشكل صورة محددة عن الفئة الأخرى، وترسخ هذه الصورة بمرور الزمن في الوعي الجماعي”. (هاشم صالح: ورد في كتاب أركون؛ أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ طبعة 1993، ص12. )

وفي هذا السياق يرى أركون أن علم الأنثروبولوجيا المعاصر يتيح لنا أن نتحدث عن وجود معرفة ذات نمط أسطوري، وهو ما لا يفهمه أو يقبله أناس العصور الوسطى. فالفكر الإسلامي لا يزال في نظره بعيدا عن مفهوم الأسطورة، بحسب المعنى الأنثروبولوجي الحديث، فهو يفهمها بمعناها القديم المكرس في اللغة العربية، معنى الخرافات والأباطيل. وما يجب الانتباه إليه هنا هو أن البعد الأسطوري أو الخيالي أو المجازي هو أحد الأبعاد الأساسية التي يتكون منها الشخص البشري والثقافة البشرية على العموم، بالإضافة طبعا إلى البعد العقلاني والاقتصادي والحسابي .

وقد رفضت النزعة الوضعية في القرن التاسع عشر الاعتراف بالبعد الخيالي والأسطوري للإنسان، ولذلك اعتبرت الدين والبعد الديني شيئا متجاوزا ينتمي إلى العالم القديم. أما العلم المعاصر فهو يعيد الاعتبار إلى الأسطورة ويعتبرها إحدى الطرق لإنتاج المعرفة؛ فالأساطير المنتشرة عند شعب من الشعوب تكشف إلى حد كبير عن العادات والتقاليد والأخلاقيات السائدة فيه. بهذا المعنى فالأسطورة ظاهرة أنثروبولوجية تشترك فيها جميع الثقافات والشعوب. وفي هذا الإطار يرى أركون أن ” الأسطورة تحرك التاريخ مثلما تحركه الوعود المحسوسة والماديات، وربما أكثر، هنا يكمن نقص الماركسية الرهيب، فهي تقف على رجل واحدة لا على رجلين- وهنا يتفوق ماكس فيبر على كارل ماركس – “. (أركون: الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، طبعة 1992، ص332)

من هنا فالإنسان لا تحركه فقط الحوافز المادية والاقتصادية، وإنما تسيره أيضا الصور الخيالية

والأحلام الوردية. فكثيرا ما يتهيج الناس وتخرج الجماهير إلى الشارع، لمجرد أن شخصا قد

ضرب على وتر المخيال الجماعي، أو عرف كيف يحرك النوابض الأساسية لهذا المخيال.

وقد عرف الإسلام الكلاسيكي بروز عدة تيارات ومذاهب، قدم كل منها فهما معينا للنص

التأسيسي الأول، وما انتصار التيار الإسلاموي الحالي سوى نتيجة ظروف تاريخية واجتماعية وسياسية. لذلك فالتعصب والانغلاق لا يشكلان طبيعة أزلية في الدين الإسلامي الذي يتميز خطاب القرآن فيه بالانفتاح والمجازية كما يؤكد أركون. ومن شأن تحليل هذه العوامل التاريخية، ومعرفة الملابسات المحيطة بها، أن يساهم لامحالة في تقديم صورة حقيقية عن المخيال الجماعي الذي يقدمه الإسلاميون في شعاراتهم وخطاباتهم النضالوية.

ويذهب أركون إلى أن الحركات الإسلاموية ” تشكل كما هائلا من الاحتجاجات والمطالب والتركيبات الإيديولوجية وأحلام اليقظة الجماعية والهلوسات الفردية التي لا تحيلنا إلى الإسلام كدين أو كتراث فكري، وإنما إلى مقدرة كل إيديولوجيا كبرى على تحريك المتخيل الاجتماعي وتغذيته وإشعال لهيبه.”. (أركون : أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ … ص 126 )

وهذا الأمر هو الذي جعله يؤكد على ضرورة طرح الإشكالية النفسية واللغوية والأنثروبولوجية الخاصة بالمخيال الإسلامي، كما تبلوره الحركات الأصولوية ، التي شكلت بأدبياتها وخطاباتها المتراكمة طبقات هائلة وجد متماسكة، لا سبيل إلى تفكيكها والحفر في أعماقها إلا بالتسلح بالأدوات المعرفية والمنهجية التي تمدنا بها العلوم الإنسانية المعاصرة.

ويذهب أركون إلى تقرير نوع من التقابل بين الموقف العقلاني للعالم والموقف المخيالي. ويرى أن المخيال يشكل بنية أنثروبولوجية نجدها لدى كل الأشخاص وفي كل المجتمعات، مهما اختلفت أشكاله وأنواعه في السياقات السوسيوتاريخية المختلفة. ومن ثم فلا توجد فروق في نظره بين المؤمن وغير المؤمن، ذلك أن العجيب الخلاب أو الساحر الخلابLe merveilleux - - موجود لدى الاثنين. فالإنسان يسعى من خلال المخيال إلى البحث عن إشباع كل ما لا يستطيع إشباعه في نفسه أو في عقله. فالمخيال بهذا المعنى مرتبط بالرغبة الشعرية الكامنة في النفس البشرية، والتي يحاول من خلالها الإنسان تخيل كل ما يتجاوز قواه الخلاقة، أي ما يسميه أركون “بالعجيب الخلاب”. وقد جعله هذا يدعو إلى ضرورة أن تتكاثف الجهود العلمية من أجل الكشف عن بنى المخيال والخيال في الحضارة العربية الإسلامية.

ويلتقي أركون هنا، في تأكيده على أهمية الخيال والمخيال، بأحدث النظريات في مجالي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؛ فعلماء أمثال بيير بورديو وجورج بالانديي وكاستر ياديس وجورج دوبي اهتموا كثيرا بالعامل الرمزي، ودوره في بلورة الوعي الجماعي وتحريك المسار التاريخي. “فالبنية الفوقية” لم تعد نتيجة ميكانيكية “للبنية التحتية”، بل أصبحت تمتلك استقلالية نسبية، بل وأصبحت أحيانا تشكل قوة مادية ودافعة لمختلف الأحداث التاريخية.

وفي هذا السياق نجد أركون يعتبر العقل مجرد ملكة من جملة ملكات أخرى يستخدمها الفكر. ولذلك فهو يفضل استخدام كلمة فكر على كلمة عقل، ومن هنا يأتي حديثه عن الفكر الإسلامي أو تاريخ الفكر الإسلامي. فكلمة ” فكر” هي أوسع مجال، ذلك أنها تشمل ثلاثة عناصر رئيسية: العقل،الخيال والذاكرة.

من هنا فلا ينبغي في نظره الفصل بين هذه المستويات الثلاثة المكونة للتفكير البشري؛ فحين يشتغل العقل ويمارس فعاليته على مختلف المواضيع والأشياء، لا يمكن فصله عن الخيال الذي يقوم ” بتغذية عمله وترطيب أجوائه ” (أركون : تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص209 ). هكذا يتوجب إذن القيام بتحليل نفسي لبنية الروح البشرية وهي تنتج إبداعاتها وأعمالها، سواء أكانت فنية أم فلسفية أم أدبية أم لاهوتية، من أجل ضبط آليات اشتغالها، أي الكشف في آخر المطاف عن مختلف المؤثرات المخيالية والنفسية والتاريخية… التي كانت تقبع وراء كل إنتاج أو إبداع تقوم به تلك الروح البشرية في لحظة تاريخية معينة.

وهنا نستشف الأولوية التي يمنحها أركون لعلم النفس التاريخي، كفرع معرفي يساعد على موضعة النص أو الإنتاج الفكري ضمن الأجواء العامة التي كانت تطوقه وتحيط به؛ أي في آخر المطاف الفضاء العقلي واللاهوتي والمخيالي الذي لا يمكن لأي إنتاج فكري أن يخرج عن نطاقه أو يتجاوز الإطار العام الذي يرسم له حدوده.

وفي هذا السياق يتحدث أركون عن ” مخيال في مجتمعات الكتاب ” تشترك فيه المسيحية واليهودية والإسلام، ذلك أن كل تعاليم الديانات الثلاث ترسخ في الأذهان والنفوس حقيقة واحدة، هي كون “الله هو الذي يقول الحقيقة- القانون للبشر، وهو الذي يحدد الوسائل التي تمكن الإنسان من نيل النجاة الأبدية عن طريق اتباع الحق باستمرار ودون تخاذل أو تردد. فالحق واحد، مطلق، غير قابل للمناقشة.”( أركون : أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ ص127 ) إن هذا الحق واحد، وهو صالح لكل الأزمنة والأمكنة ولكل البشر، كما أنه مطلق وغير قابل للمراجعة، ولا يقر بالنسبية ولا بالتاريخية ولا بالاستثناء؛ ” وحده الله ، صانعه، يمكنه أن يكمله أو يراجعه أو حتى يستبدل به حقا آخر” ( نفسه ص127)

وقد لاحظ أركون أن هذه الصورة المقدمة للبشر، والمعاشة من خلال الشعائر الدينية والفرائض المختلفة، ساهمت في تشكيل نوع من المخيال لدى “المؤمنين” بها، إلا أنه مخيال مفتوح ومنفتح سوف لن يلبث أن يحول عبر القوانين الفقهية-القضائية إلى مبادئ قسرية وإكراهية، ستكون هي المرتكز الإيديولوجي لتشكل المخيالات الاجتماعية لدى الأرثوذكسية والتيارات الأصولوية المتزمتة. وهكذا سيتحول الخطاب الديني المفتوح والمنفتح إلى مجموعة من القواعد الجامدة المنغلقة ضمن فهم واحد ووحيد، داخل هذا التيار أو ذاك، أو من منظور هذه الجماعة أو تلك. وسيتم استئصال الآيات من إطارها التاريخي لاستغلالها ضمن إطار وفضاء مغاير حتى تتمكن من تعزيز مسار إيديولوجي معين.

وإذا أضفنا إلى هذه الصورة عنصرا آخرا، هو الاعتقاد بأن ما قدمه الفقهاء والمفسرون الأوائل في العصور الكلاسيكية هي أشكال تأويلية نهائية، ستتكون لدينا صورة لبنية ذهنية، ستتحكم في سلوك الفرد، وتزرع لديه مخيالا يؤطر نظرته لأناه وللآخر، وللمسائل الحيوية في حياته الفردية وعلاقاته بالجماعة.

ولذلك فما يهدف إليه أركون في دراسته للمخيال، هو تقديم تفسير وتحليل وفهم للآلية الوظائفية التي يتمتع بها هذا المصطلح في قدرته على تحريك العواطف، وتجييشها في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تعرفها المجتمعات الإسلامية. وهو يهدف أيضا من خلال هذا التفسير والفهم، إلى تكسير تلك الازدواجية الوهمية التي توضع عادة بين “الإسلام” و”الغرب”، والتي ترتب عنها وجود مخيال غربي تجاه الإسلام ومخيال إسلامي تجاه الغرب. وغالبا ما يقدم هاذان المخيالان صورة سلبية عن الإسلام. وهي صورة مدمرة ناجمة عن تراكمات يحكمها منظور خاطىء لعلاقة الدين بالمجتمع والتاريخ.

وهكذا، وفي إطار تحليله لمكونات ووظائف المخيال، نجد أركون يركز على النقاط التالية:

- الكشف عن الأسس التي تشترك فيها الأصولوية في كل مجتمعات الكتاب؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية. وذلك من خلال تقصي الأصول الثقافية والنفسية واللغوية التي ترتكز عليها هذه الأصولويات.

- التركيز بشكل خاص على الأصول التي تقدم عناصر خصبة لتغذية المخيال الإسلامي. ويمكن أن نقسم تلك الأصول أو المحددات إلى مصدرين أساسيين:

أولا: الظاهرة القرآنية أو ما يسمى بالوحي، بالإضافة إلى الخطاب النبوي أو اللحظة النبوية.

ثانيا: الوقائع التاريخية والأشخاص والرموز التي تشغل مكانة هامة في الذاكرة الجماعية للمسلمين.

- العمل على تحطيم ذلك الجدار السميك الذي يوضع عادة بين الخطاب النضالوي والإيديولوجي للحركات الإسلاموية، وبين الحقيقة التاريخية والعقائدية والثقافية للمجتمعات الإسلامية. وذلك بهدف الكشف عن التلاعبات التي تطال المخيال الموروث وتعمل على توظيفه إيديولوجيا وسياسيا. وهذا ما جعل أركون يلح على ضرورة القيام بعملية تفكيكية للتركيبات الإيديولوجية وأحلام اليقظة الجماعية والهلوسات الفردية، التي لا ترتبط بالنص الديني في طزاجته الأولى، وإنما بعمل مختلف الإيديولوجيات على تحريك المخيال الاجتماعي والديني من أجل إشعال لهيبه لتحقيق أغراضها الدنيوية.