Generic Viagra generic viagra europe
إنه الفيلسوف حلم الشاعر
مارس 21

حول مقدمة الإنشاء ومسوغاتها الفلسفية

إنني أنطلق من قناعة أساسية، تتمثل في أننا لا يمكن أن نعثر على مرتكزات لمنهجية الإنشاء الفلسفي إلا داخل التفكير الفلسفي نفسه. هكذا فالهدف الرئيسي من الدرس الفلسفي عامة ومنهجية الإنشاء الفلسفي خاصة، هو تعليم وتعلم التفكير الفلسفي؛ أقصد الأدوات والطرائق التي اعتمدها مختلف الفلاسفة في ممارستهم لفعل التفلسف وإنتاجهم لأفكارهم الفلسفية.

فهل يعني ذلك، والحالة هاته، أننا ننتظر من التلميذ أثناء صياغته لإنشائه الفلسفي أن يحاكي الفيلسوف وينسج على منوال تفكيره الفلسفي ؟

الواقع أنه يمكن أن نجيب عن هذا التساؤل بنعم ولا في الآن نفسه. نعم؛ لأن الكتابة الإنشائية التي ننتظرها من التلميذ إما أن تكون فلسفية أو لا تكون، ذلك أن ماهية الإنشاء الفلسفي هي في نظرنا ماهية فلسفية بالضرورة، إنها تتويج لأهداف التعلم في الدرس الفلسفي كأهداف تروم أساسا إكساب المتعلمين قدرات ومهارات تطور ملكاتهم في التفكير وتنمي الحس الفلسفي لديهم، وهو ما يتمظهر من خلال كتاباتهم الإنشائية الفلسفية. ولا؛ لأن التلميذ لا يمكنه ولا ينبغي له أن يحاكي الفيلسوف على نحو تام ومطلق، وأنى له ذلك وهو المبتدئ في التمرس على التفكير فلسفيا؟، بل يمكنه فقط استلهام أفعال التفكير لدى الفيلسوف لاستخدامها لصالحه الخاص، على نحو ينم عن إبداع ذاتي ويتناول وضعيات جديدة.

كيف إذن يمكن أن نجعل التلميذ يدبج إنشاء فلسفيا بمواصفات فلسفية ؟

يبدو أن الأمر يتطلب الرجوع إلى الفلسفة ذاتها، أي العودة إلى نصوص الفلاسفة وطرقهم في التفكير على نحو فلسفي. لكن تواجهنا هنا الصعوبة التالية؛ وهي أن الفلاسفة لا ينسجون بالضرورة نصوصهم على نفس المنوال وبنفس الكيفية؛ ويكفي أن نقارن كتابات نيتشه بكتابات كانط أو هيجل أو اسبينوزا … ليتبين لنا الفرق بين هؤلاء وغيرهم في التقاليد والأساليب المعتمدة في الكتابة. لكن مثل هذه الصعوبة لا تعتبر من وجهة نظرنا عائقا أمام الطموح المتمثل في اعتماد نهج الفيلسوف مرجعا لتقعيد منهجية الإنشاء الفلسفي، لأن الاختلاف القائم بين عادات الفلاسفة في الكتابة لا ينفي وجود خصائص مشتركة بينهما. ومن أهم تلك الخصائص ممارستهم جميعا لأفعال تفكيرية ثلاثة رئيسية تتمثل في المفهمة والأشكلة والحجاج. ولهذا نعتقد أن جودة أية كتابة إنشائية يقوم بها التلميذ، تتمثل بالضرورة في مدى قدرته على ممارسة هذه الأفعال التفكيرية على نحو سليم ومتماسك، أقصد طبعا أفعال المفهمة والأشكلة والحجاج.

إن الإنشاء الفلسفي هو بطبيعة الحال جنس أدبي مدرسي، يمارسه التلاميذ داخل إطار مدرسي تتحكم فيه عوامل نفسية واجتماعية وتربوية وتعليمية ومؤسساتية من جهة، كما يخضع كجنس أدبي مدرسي لمواصفات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نجد شبيها لها ضمن أجناس الكتابة التي عرفتها سيرورة التفكير الفلسفي ومسيرته الطويلة، مثل الرسائل أو المقالات أو الكتب أو المصنفات أو غير ذلك. لكن هذا لا يمنع من أن نطمح إلى استحضار خصائص وأساليب للتفكير الفلسفي المبثوثة في كل الأصناف التي أبدعها الفلاسفة، أثناء ممارسة التلميذ لأفعال التفكير التي يؤثث من خلالها موضوعه الإنشائي.

فلننظر الآن إلى المواصفات الأساسية التي ينتظر أن يكون عليها الإنشاء الفلسفي ؟ ولننظر كيف يمكن أن نجعلها مواصفات وفية لطرائق التفكير الفلسفي ولروح الفلسفة نفسها ؟ ولنركز في ذلك على مقدمة الإنشاء دون عرضه وخاتمته.

فكيف تنجز مقدمة الإنشاء ؟ وما هي أفعال التفكير الفلسفي التي تمكن من إخراجها على نحو أفضل ؟

من المعروف أن المقدمة تتضمن تمهيدا وطرحا إشكاليا. فالتمهيد يتخذ عدة أشكال و استراتيجيات يصعب حصرها وتحديدها، إلا أن الشرط الأساسي الذي يجب أن يتوفر فيه هو أن يتضمن المبررات الكافية لطرح التساؤلات المكونة للإشكال؛ أي أن وظيفته هو تسويغ الطرح الإشكالي وإقناع الذات قبل الآخر بضرورة طرحه. ولذلك يشترط أن يتم الانتقال بشكل منطقي وسلس من التمهيد إلى صياغة التساؤلات. ولذلك فالتلميذ مطالب أولا باستلهام التمهيد من طبيعة الإشكال نفسه، أي أنه لن يتمكن من تدبيج تمهيد جيد ومناسب إلا إذا تمكن مسبقا من صياغة الإشكال صياغة دقيقة انطلاقا من الموضوع سواء أكان نصا أو قولة أو سؤالا مفتوحا. فحينما نفهم إشكال الموضوع جيدا، وهو الأمر الذي لن يتأتى إلا من خلال القيام بأفعال المفهمة والتحليل المنصبة على الموضوع أثناء لحظة المسودة، نتبناه بشكل ذاتي ونبحث له عن مصداقية ومشروعية داخل تجارب الذات –ذات التلميذ- نفسها، سواء كانت تجارب نفسية أو اجتماعية أو فنية أو سياسية أو فلسفية أو دينية أو غيرها. أي أن التلميذ مطالب بأن يشرعن للطرح الإشكالي انطلاقا من معارفه الخاصة وتجاربه الذاتية، ويعبر عن كل ذلك من خلال التمهيد الذي يبدأ به موضوعه الإنشائي، حتى يتجسد التفكير الذاتي للتلميذ في الإنشاء الفلسفي منذ بدايته الأولى.

هكذا فكتابة التمهيد الذي نبدأ به الإنشاء الفلسفي، يتطلب من التلميذ إبداعا حقيقيا ينم عن حسه الفلسفي وعن قدرته على ممارسة موهبة التفكير الفلسفي في ابتكار وضعية تسمح بالمرور إلى طرح الإشكال على نحو ضرورة ومقنع. فالتمهيد والحالة هاته، هو مهارة فلسفية يجب تدريب التلاميذ عليها، كما تتوخى من المدرسين التقعيد لها وابتكار أشكال معينة لممارستها وإنجازها. صحيح أن الأشكال التي يمكن أن ينجز من خلالها التمهيد هي أشكال لا نهائية، لكننا يمكننا كمدرسين تزويد التلاميذ بنماذج منها وتقديمها للتلاميذ من أجل أن يستلهموا روحها، ضمن ما يمكن نعته بالتعلم عن طريق النماذج. كما يجب العثور على نصوص فلسفية يتجسد من خلالها نموذج التمهيد الذي يسبق الطرح الإشكالي؛ فمن المعروف أن الفلاسفة يقدمون دوما في نصوصهم مبررات ومسوغات للأسئلة التي يطرحونها، ولذلك فنحن لا نعدم أن نجد نماذج عند هذا الفيلسوف أو ذاك نشتغل عليها مع التلاميذ للوقوف معهم عن كثب على التقنيات والمهارات التي يستخدمها الفيلسوف نفسه وهو يؤسس لأسئلته الإشكالية، بل إن تجربتنا في التدريس تبين أن الكثير من النصوص التي نشتغل عليها مع التلاميذ داخل الفصل الدراسي تتضمن مثل هذه الأفعال التفكيرية التي يقوم خلالها الفيلسوف بتبرير أسئلته وإقناعنا بضرورة طرحها. فيجب إذن استغلال تحليل النص الفلسفي من أجل إكساب التلاميذ تقنيات ومهارات الإنشاء الفلسفي، ومن بينها طبعا مهارة التمهيد التي يجد التلميذ نفسه مجبرا بالضرورة على استهلال إنشائه بها. وإذا لم نقم بمثل هذا العمل، سنترك التلميذ يتشبث بالقش لإنقاذ نفسه من الغرق، هذا القش المتمثل في ما يجده رائجا من صيغ تمهيدية جاهزة من قبيل: ” يندرج هذا الموضوع ضمن مجزوءة … وضمن محور … ويعالج إشكال … والذي يمكن طرحه كما يلي … “!!

كما يمكن الإشارة هنا إلى أن تقنية التمهيد لطرح الإشكالات تجد لها حضورا قويا في كل أجزاء الدرس الفلسفي؛ فنحن مضطرون كمدرسين إلى أن نمهد لدروسنا بأشكال من التمهيد، كالوضعيات المشكلة مثلا، لكي نقنع أنفسنا ونقنع التلاميذ بضرورة طرح الإشكالات المتضمنة في الدرس. كما أننا مضطرون على النحو نفسه في بداية كل محور على التأسيس للإشكال الخاص به من خلال تمهيد مناسب يفضي إلى طرحه. وغالبا ما نستثمر أثناء هذا التمهيد تمثلات المتعلمين ومعارفهم العامة وتجاربهم في الحياة … من أجل توليد الأسئلة من ذواتهم وربطها باهتماماتهم أو اهتمامات مجتمعاتهم. ومن شأن هذا السلوك التعليمي- التعلمي أن يورط ذات المتعلم في قلب الإشكالات الفلسفية من جهة، وأن يربط بين هذا الإشكالات وفضاء الحياة والمعيش من جهة أخرى. وإذا تعود التلميذ على هذا النوع من الممارسات التفكيرية أثناء الدرس الفلسفي، فإننا نتوقع بنسبة عالية أن يجسدها على مستوى كتابته الإنشائية، إيمانا منا بالعلاقة الوثيقة بين الدرس الفلسفي والإنشاء الفلسفي؛ إذ ينتظر أن يكون الثاني انعكاسا لما تم إنجازه في الأول.

علينا إذن أن نحارب النمطية ونشجع على الإبداع الذاتي، أثناء تدريبنا تلامذتنا على قدرات ومهارات الإنشاء الفلسفي، بما فيها طبعا مهارة التمهيد التي تجسد لحظة الولادة والانبثاق في الكتابة الإنشائية الفلسفية. وإذا كان التمهيد يمثل لحظة الولادة الأولى، فهو وحده القادر على منح المصحح انطباعا حسنا أو سيئا على الكيفية التي سيكون عليها “المولود الإنشائي” ككل. ولذلك لا بد أن نرسخ في أذهان تلامذتنا أن يولوا التمهيد العناية اللازمة التي يستحقها.

إن الغرض الأساسي من التمهيد كما أسلفنا هو إيجاد مبررات لصياغة أسئلة الطرح الإشكالي. ولهذا فقد أشرنا إلى ضرورة أن تكون اللحمة بينهما قوية، وبقدر ما يتفنن التلميذ في ابتكار أنواع من التمهيد المناسبة فهو يكون وفيا لروح التفكير الفلسفي كروح تخرج من رحم الدهشة والمفارقة والإحراج وخلق التوتر واللبس اللازمين.

هكذا يمكن أثناء التمهيد استثمار التقابلات الموجودة بين المفاهيم وما تطرحه من صعوبات وتساؤلات. كما يمكن الانطلاق من تعريف المفهوم الرئيسي في الموضوع، ثم أشكلته بعد ذلك. يمكن أيضا الانطلاق من وقائع في الحياة السياسية أو الاقتصادية أو التاريخية … أو من سياقات تعود إلى تاريخ الفلسفة أو تاريخ الفن أو الدين أو التاريخ العام … تسمح بخلق التوتر الكافي لصياغة الإشكال. المهم أن هناك إمكانيات كثيرة متاحة أمام التلميذ لكي يذبج تمهيده لموضوعه الإنشائي، الشرط الوحيد في ذلك هو أن يتضمن ذلك التمهيد التسويغ الكافي لطرح الإشكال وأن تكون العلاقة بينهما جد قوية. وقد يرى البعض أن هذا الكثرة تخلق الفوضى والتشويش في ذهن التلميذ، ولكننا نراها على العكس من ذلك دليلا على حرية التفكير والإبداع التي تتيحها الفلسفة لذهن التلميذ وتحفزه على الخلق والعطاء.

وإذا كانت مقدمة الإنشاء الفلسفي تتضمن تمهيدا وطرحا إشكاليا، فإننا نود الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بالإشكال المتضمن في الموضوع الممتحن فيه سواء كان نصا أو قولة أو سؤالا مفتوحا، وليس أبدا الإشكال الموجود في الدرس. قد يحدث أن يتطابق إشكال الموضوع مع إشكال موجود في الدرس، لكن هذا لا يحدث دائما وفي جميع الأحوال. ولذلك نشدد هنا على ضرورة أن يصغي التلميذ جيدا لدقات قلب الموضوع حتى يتمكن جيدا من صياغة إشكاله على نحو دقيق. وهذا النوع من الإصغاء لا يتأتى بشكل فجائي ومباغت بل يتطلب جهدا واشتغالا حقيقيا على الموضوع. ويتمثل هذا الاشتغال في تحليل عناصر الموضوع والكشف عن الأفكار والدلالات الكامنة فيها وفي العلاقات القائمة بينها. وهذا يعني أن عملية الأشكلة تسبقها بالضرورة عملية المفهمة؛ إذ بدون أن نحلل مفاهيم الموضوع، سؤالا أو قولة أو نصا، ونكشف عن دلالاتها ونحدد العلاقات بينها لا يمكننا أبدا نقف عن كثب عند الإشكالات الكامنة فيها. فنحن إذن نقرأ الموضوع ونحلله، ونكتشف الأفكار الموجودة فيه، ثم بعد ذلك نستخرج من تلك الأفكار التساؤلات المناسبة التي سنعبر من خلالها عن الإشكال الذي سنكتبه في مقدمة الموضوع الإنشائي بعد أن نبحث له عن التمهيد المناسب له، والذي يسمح بطرحه على نحو منطقي ومقنع.

هذه هي سيرورة التفكير التي يجب أن يخضع لها منطق الكتابة الإنشائية، فيما يخص بالمقدمة، إذ ننطلق من المفهمة ثم نقوم بالأشكلة وبعد ذلك نصوغ التمهيد المناسب لهذه الأخير. وإذا ما نجح التلميذ في كتابة مقدمة على النحو المطلوب، فسيكون قد شيد الأرض الصلبة التي ستمكنه من إتمام بقية عناصر البنيان بكل ثبات واطمئنان.

دمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.