Generic Viagra generic viagra europe
آمال الوحدة وآلامها مطالب الأسئلة المذيلة للقولة الفلسفية
مارس 24

ما المطلوب منا في صيغة القولة المذيلة بسؤال ؟

ما المطلوب من التلاميذ أثناء تعاملهم مع صيغة القولة المرفقة بسؤال ؟ هل المطلوب فقط هو تحليل القولة ومناقشتها كما الحال بالنسبة للنص أم أن المطلوب هو الإجابة على السؤال انطلاقا من القولة ؟ وفي هذه الحالة الأخيرة - أي أثناء إجابتنا عن السؤال- أنكون غير معنيين بمطلبي التحليل والمناقشة ؟ هل يمكن الإجابة عن السؤال المرفق بالقولة دون ممارسة مهارتي التحليل والمناقشة ؟؟ هل يمكن الإجابة عن السؤال بمعزل عن القولة ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فلماذا نقدم للتلاميذ سؤالا مسبوقا بقولة ؟ ألم يكن من الأولى أن نقدم لهم السؤال وحيدا دون القولة، فنصبح أمام صيغة السؤال المفتوح ويجد التلاميذ أنفسهم أمام سؤالين مفتوحين ونص في وضعية الاختبار بذل نص و سؤال مفتوح وقولة مذيلة بسؤال ؟؟

انطلاقا من كل هذه التساؤلات يمكن أن أعبر عن وجهة نظري حول المعضلات التي تطرحها صيغة القولة المذيلة بسؤال. وسأعتمد في ذلك على النماذج التالية:

- بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنه بالضرورة عاجز عن خلقها.”
انطلاقا من القولة، ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟

) الامتحان الوطني للدورة العادية 2008 )

- المفاهيم الفيزيائية إبداعات حرة للفكر البشري، وليست كما يمكن أن يعتقد، محددة فقط من طرف العالم الخارجي وحده.”
أوضح مضمون القولة ثم بين علاقة النظرية بالتجربة .

( الامتحان الوطني للدورة العادية 2008 )

- ” تكمن القيمة العظمى للنظرية في قوتها على اقتراح قوانين جديدة، يمكن التحقق منها تجريبيا.”

اشرح مضمون القولة و بين أبعادها.

( دورة يونيو 2009)

- ” إن التجربة العلمية التي لا تصحح أي خطأ، و تقدم نفسها بوصفها حقيقة لا نقاش فيها، تجربة لا تصلح لأي شيء.”

انطلاقا من القولة، بأي معنى تصحح التجربة أخطاء العلم؟

( يونيو 2009 )

- ” ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة … إنها ليست حلا لمشكل،بل إمكانية لمعالجته. ”

أوضح مضمون القولة و بين أبعادها.

( الاستدراكية 2009)

- ” الإنسان إرادة حرة، و سلوكه لا يمليه شيء آخر سواه: فالحرية تفترض استقلالية الإرادة. ”

أوضح مضمون القولة و بين هل حرية الفرد مطلقة؟

( الاستدراكية 2009)

- ” بالرغم من أن التاريخ ليس له غايات، فإننا نستطيع أن نفرض عله غاياتنا.”

انطلاقا من القولة، إلى حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟

( الاستدراكية 2009 )

إذا تأملنا هذه النماذج – وهي رسمية بطبيعة الحال -، وجدنا أن السؤال المذيل بكل قولة يتكون من مطلبين، لكن المشكل هنا هو أن المطلبين يختلفان من نموذج إلى آخر، وهذا بخلاف صيغة النص التي ترفق دائما بمطلبي التحليل والمناقشة (حلل وناقش)، دائما وفي جميع الأحوال.

إذن فالمعضلة المتعلقة بالقولة تتمثل في أننا نجد أنفسنا في كل لحظة أمام سؤال مرفق بها مغاير للأسئلة المرفقة بقولات أخرى. وعليه فالتلميذ يجد نفسه مجبرا بالضرورة على الإنصات الجيد إلى ما يطلبه منه السؤال المذيل للقولة، وهو المطلب الذي قد لا يجده مشابها للمطالب الموجودة في أسئلة أخرى.

هكذا فالمشكل الذي تطرحه صيغة القولة هو أن الأسئلة المذيلة لها غير موحدة وغير خاضعة لنوع من التعاقد أو التقنين أو التوحيد، بل إننا نجد أنفسنا في كل مرة إزاء سؤال ذي صيغة معينة. وهذا يتطلب من التلميذ مجهودا حقيقيا؛ إذ يتعين عليه الوقوف جيدا على ما يطلب منه السؤال حتى تكون مقاربته للموضوع دقيقة وعميقة.

وإذا كانت الصيغ التي قد تتخذها الأسئلة المرفقة بالقولة هي صيغ لا نهائية، فإنه يصعب علينا أن نقعد وننظر للمطلوب من التلميذ أثناء تعامله مع القولة المذيلة بسؤال، مادام أن هذا المطلوب لا نعرفه مسبقا بلنتعرف عليه فقط لحظة الامتحان. وهذا يؤثر في نظري على شكل المنهجية التي يمكن أن نقدمها لتلامذتنا بخصوص القولة المذيلة بسؤال، إذ كيف سنقدم لهم منهجية على نحو معين، والحال أن لكل قولة مطلبها الخاص الذي يقتضي تعاملا منهجيا خاصا قد لا يشبه منهجية التعامل مع المطلوب في قولة أخرى ؟ فهل يعني هذا أن لكل قولة مذيلة بسؤال منهجيتها الخاصة ؟ ألا يطرح هذا تحديات أمامنا كمدرسين فيما يخص القعيد لمنهجية القولة ؟ ألا يطرح هذا أيضا غموضا لدى التلاميذ فيما يخص كيفية التعامل مع القولة المرفقة بسؤال ؟ ألا يكون التلميذ مطالبا بالاجتهاد في كل مرة لكي يفهم السؤال المرفق بالقولة والتعامل معه على نحو جيد ؟

لنعد إلى النماذج السابقة ونتأمل في مطالب الأسئلة الموجودة فيها؛

- انطلاقا من القولة، ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟

- أوضح مضمون القولة ثم بين علاقة النظرية بالتجربة .

- اشرح مضمون القولة و بين أبعادها.

- انطلاقا من القولة، بأي معنى تصحح التجربة أخطاء العلم؟

- أوضح مضمون القولة و بين أبعادها.

- أوضح مضمون القولة و بين هل حرية الفرد مطلقة؟

- انطلاقا من القولة، إلى حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟

أعتقد أن المشترك بين هذه الأسئلة جميعها هو أن المطلب الأول فيها ينصب دائما على القولة، فيطلب منا أن ننطلق منها أو نوضحها أو نشرحها، وهذا يعني أن مطلب التحليل ضروريا في جميع الحالات. فحينما يطلب من التلميذ الانطلاق من القولة، فهذا يعني أن عليه أن يحللها ويفهمها، كما أن مطالبته بتوضيحها وشرحها يعني ولا شك تحليلها، هذا التحليل الذي نعرف جميعا أنه لن يتم إلا بالاشتغال على مفاهيمها والكشف عن دلالاتها وتحديد أطروحتها والحجاج المفترض فيها …

إذن يبدو أن مطلب التحليل ضروري في التعامل المنهجي مع أي قولة مرفقة بسؤال، ولا يمكن التعامل مع المطلب الثاني في السؤال المذيل للقولة إلا بعد أن نقوم بتحليل القولة، وهو ما يدعونا إليه المطلب الأول في السؤال.

إذا اتفقنا على أن المطلوب في جميع الأسئلة هو أولا تحليل القولة وفهمها وتوضيحها، فإن المشكلة تكمن في طبيعة المطلب الثاني في السؤال، إذ يبدو أنه يختلف من نموذج إلى آخر.

فما الذي نجده في المطلب الثاني من الأسئلة المذيلة للقولات الموجودة أعلاه، والتي أخذناها من امتحانات رسمية ؟

إننا نجد في هذا المطلب الثاني مايلي:

- ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟

- بين علاقة النظرية بالتجربة .

- بين أبعادها.

- بأي معنى تصحح التجربة أخطاء العلم؟

- بين هل حرية الفرد مطلقة؟

- إلى حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟

إذا تأملنا هذه الصيغ سنجد مطالبها مختلفة؛ فهي تدعو التلميذ تارة إلى الإجابة عن سؤال انطلاقا من القولة مثل “ ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟ أو “ بأي معنى تصحح التجربة أخطاء العلم؟ أو ” إلى حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟” … وهذا يعني أننا نكون في هذا الحالة أمام مطلب هو على شكل سؤال مفتوح، وينبغي التعامل معه بمنهجية السؤال المفتوح الذي هو أحد الصيغ الواردة في الامتحان الوطني للسنة الثانية باكلوريا، وتقتضي هذه المنهجية –ضمن ما تقتضيه - الوقوف عند أداة الاستفهام في السؤال لمعرفة المطلوب منا فيه. غير أنه يجب الإشارة هنا إلى أننا بإزاء سؤال مرتبط بقولة بعكس صيغة السؤال المفتوح التي نتعامل فيها مع لاسؤال في حد ذاته. وبمعنى آخر؛ إننا مطالبين هنا بالإجابة عن سؤال بعد أن نكون “انطلقنا” من القولة أو “وضحناها” أو “شرحناها” أي بمعنى ما حللناها. فالإجابة عن السؤال كمطلب ثاني لا تنفصل على ما يبدو عن المطلب الأول المتمثل في تحليل القولة. والمشكل هنا هو: كيف نقوم بإنجاز المطلبين على نحو منسجم ومتكامل ؟ أي كيف نجعل التحليل المنصب على القولة يفضي مباشرة، وبشكل سلس، إلى الإجابة عن السؤال المتعلق بالمطلب الثاني ؟

هكذا فالتعامل الجيد والسليم مع القولة هو ذلك الذي يتمكن من خلاله التلميذ من الإجابة عن المطلب الثاني في السؤال انطلاقا من تحليله للقولة، أي انطلاقا من توضيحها وشرحها والوقوف عند أطروحتها.

إذا اتفقنا على هذه المسألة، يمكن أن نفحص مسألة أخرى تتعلق ب: هل المطلوب دائما في المطلب الثاني في السؤال المذيل للقولة هو مناقشة أطروحة القولة ؟ هل المناقشة هي المطلب الثاني في السؤال دائما بعد أن يكون مطلبه الأول هو التحليل ؟ هل مطلبي التحليل والمناقشة هما المطلوبان دائما في صيغة القولة المذيلة بسؤال، بل وفي صيغتي النص والسؤال المفتوح أيضا ؟ هل مطلبي التحليل والمناقشة ضروريين في الإنشاء الفلسفي، باعتبارهما كفايتين فلسفيتين يسعة الدرس الفلسفي إلى تحقيقهما ؟

لنعد إذن إلى المطلب الثاني في كل سؤال من الأسئلة المذيلة للقولات أعلاه، ولننظر هل يطلب منا مناقشة الأطروحة المتضمنة في القولة ؟

  • النموذج الأول:


بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنه بالضرورة عاجز عن خلقها.”
انطلاقا من القولة، ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟

) الامتحان الوطني للدورة العادية 2008 )

أطروحة القولة تقول: قد يدمر العنف السلطة لكنه لا يمكنه خلقها.

والمطلب الثاني في السؤال يتمثل في: تحديد طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة.

إذن فالمطلوب من التلميذ هو أن يعالج إشكالية علاقة العنف بالسلطة، لكن لا يمكنه ذلك دون أن يحلل القولة لكي يحدد موقف صاحبها من مسألة علاقة السلطة بالعنف. فهل تتضمن القولة أطروحة بصدد هذه العلاقة ؟ إذا تأملنا في القولة نجدها بالفعل تتحدث عن مثل هذه العلاقة؛ فصاحبها يرى أن علاقة العنف بالسلطة هي علاقة تدمير وليست علاقة خلق. في هذه الحالة يكون علينا أن نجيب عن السؤال المتعلق بعلاقة السلطة بالعنف، على ضوء أطروحة القولة بعد أن نكون قد حللناها، ما دام أن معرفة أطروحتها لا يكون إلا انطلاقا من عملية التحليل التي تنصب على مفاهيمها والكشف عن دلالاتها ورهاناتها. هذا يعني أننا نكون أمام مطلبين رئيسيين هما في آخر المطاف مطلبي التحليل والمناقشة؛ فالقولة تتضمن أطروحة بصدد علاقة العنف بالسلطة يتعين علينا توضيحها وتحليل عناصرها، كما أن المطلب الثاني في السؤال يطلب منا أن نناقش هذه الأطروحة بأطروحات أخرى لها وجهات نظر مغايرة بخصوص إشكال علاقة العنف بالسلطة.

هكذا فمطلبي التحليل والمناقشة حاضرين بالضرورة في هذا النموذج الأول، ولا يمكن غض الطرف عنهما، كما نجد أن العلاقة وثيقة بين المطلب الثاني في السؤال “ما طبيعة العلاقة بين العنف والسلطة؟ من جهة، والأطروحة المتضمنة في القولة من جهة أخرى.

لننتقل الآن إلى استقراء نموذج آخر، لعل استقراء النماذج يساعدنا على تلمس خيوط منهجية التعامل مع القولة المذيلة بسؤال.

  • النموذج الثاني:

المفاهيم الفيزيائية إبداعات حرة للفكر البشري، وليست كما يمكن أن يعتقد، محددة فقط من طرف العالم الخارجي وحده.”
أوضح مضمون القولة ثم بين علاقة النظرية بالتجربة .

فهل هناك علاقة في هذا النموذج الثاني بين المطلب الثاني في السؤال ومضمونها أو أطروحتها ؟

إذا تأملنا في القولة وجدنا أن أطروحتها تتمثل فيما يلي:

المفاهيم الفيزيائية (النظرية) هي إبداع خالص للعقل ولا تتحدد فقط انطلاقا من العالم الخارجي (التجربة).

أما المطلب الثاني في السؤال فيطالبنا بتبيان علاقة النظرية بالتجربة.

إذن يتبين أن هناك علاقة قوية بين هذا المطلب الثاني وبين أطروحة القولة؛ فصاحبها له أطروحة واضحة من علاقة النظرية بالتجربة؛ فهو يعتبر أن النظرية المكونة من مجموعة من المفاهيم لا يمكن أن تكوت نتاجا للتجربة أو يكون محددها هو العالم الخارجي وحده، بل ينبغي أن تكون إبداعا حرا للفكر أو العقل.

وعليه، فالمطلوب من التلميذ إذن هو أن يجيب عن السؤال المتعلق بعلاقة النظرية بالتجربة، بعد أن يكون قد حدد هذه العلاقة من خلال اشتغاله وتحليله للقولة؛ أي أنه مطالب بتحليل القولة على ضوء السؤال والإجابة عن السؤال على ضوء القولة. فأثناء تحليله للقولة سيحاول اكتشاف موقف صاحبها من علاقة النظرية بالتجربة، وهو الأمر الذي يتيحه منطوق القولة وتمكننا منه عناصرها، أما أثناء الإجابة عن المطلب الثاني في السؤال فهو مضطر لتقديم أطروحات فلسفية بخصوص إشكال علاقة النظرية بالتجربة، وهي الأطروحات التي قد تعزز أطروحة القولة وتكملها أو قد تعارضها وتؤشكلها. وهذا يعني أننا نكون في المطلب الثاني في السؤال بإزاء مطلب المناقشة؛ أي أن الأمر يتعلق فيه بمناقشة أطروحة القولة من إشكال علاقة النظرية بالتجربة.

أعتقد إذن أن هذا النموذج الثاني يوضح أيضا، مثله مثل النموذج الأول، الارتباط القوي بين المطلب الثاني في السؤال وبين أطروحة القولة؛ فلا يمكن والحالة هاته الإجابة عنه بمعزل عن مضمون القولة.

يمكن فقط الإجابة عن السؤال بمعزل عن القولة إذا أثبتنا أن مطلب السؤال لا علاقة له البتة بمضمون القولة وأطروحتها. لكن النموذجين اللذين عرضناهما لحد الآن بينا على العكس من ذلك، أن العلاقة وطيدة بين مطلب السؤال وأطروحة القولة. فهل يمكن أن نعثر على نماذج أخرى رسمية نجد فيها انفصالا تاما بين المطلب الثاني في السؤال من جهة، وبين أطروحة القولة من جهة أخرى ؟ وهل يمكن للجهات الرسمية المعنية أن تفاجئنا بنموذج لمثل هذه الحالة الثانية ؟ ألا يتعارض ذلك مع المستهدف في صيغة القولة المذيلة بسؤال، وهو الإجابة عن سؤالها انطلاقا من الاشتغال عليها وليس بمعزل عن ذلك، وحتى تكون لهذه الصيغة خصوصيتها التي تجعلها تختلف عن صيغة السؤال المفتوح ؟؟

لنكتف الآن باستقراء هذه النماذج المتوفرة لدينا عن امتحانات سابقة، دون أن نفكر فيما قد تحبل به الامتحانات اللاحقة.

  • النموذج الثالث:

” تكمن القيمة العظمى للنظرية في قوتها على اقتراح قوانين جديدة، يمكن التحقق منها تجريبيا.”

اشرح مضمون القولة و بين أبعادها.

ولا شك أن لهذه القولة أطروحة، والمطلوب منا أولا هو تحديدها وشرحها من خلال عملية التحليل، لكن المشكل يكمن هنا في فهم المطلب الثاني المتمثل في “بين أبعادها”. فما المقصود بأبعاد القولة هنا ؟ هل المقصود هنا هو فقط تبيان أطروحة القولة وتوضيحها دون مناقشتها ؟ هل مطلب المناقشة هنا غائب ويحضر فقط مطلب التحليل ؟

أعتقد أن المقصود بتيبان أبعاد القولة ليس فقط تحليلها وتوضيحها والكشف عنها، بل يتعداه إلى تطويرها والكشف عن حدودها وبالتالي مناقشتها، لأن تبيان أبعاد أطروحة ما وتحديد حدودوها وتطويرها لن يكون إلا بمجابهتها بأطروحات فلسفية أخرى أو على الأقل وضعها على محك النقد والفحص العقلي.

إننا إذا اكتفينا بفهم “بين أبعادها” على أنه يتعلق فقط بشرح مضمون القولة ومراميها، فإننا سوف لن نكون منسجمين مع طبيعة التفكير الفلسفي الذي يرتكز على الفحص والنقد والشك والخلخلة وتعدد زوايا النظر … وهذا يعني أن تبيان أبعاد القولة لن يكون إلا بتحليلها وشرحها أولا، وهذا هو التحليل، ثم بتطويرها وفحصها ونقدها ثانيا وهذه هي المناقشة.

إن أي قول فلسفي يتضمن أطروحة بصدد إشكال ما، وهو الإشكال الذي يستدعي مقاربات جديدة ومغايرة بالضرورة؛ فما من سؤال فلسفي إلا وينبثق عنه جواب يتحول بدوره إلى سؤال جديد، وهكذا دواليك، وهذا يعني أن السؤال الفلسفي هو ذلك السؤال الذي لا نجد إجابة نهائية عليه، بل يفترض إجابات متنوعة ومختلفة. وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن نكون منسجمين مع منطق التفكير الفلسفي نفسه، فلا نقتصر في تحديد أبعاد القولة على تحليل مضمونها وتحديد أطروحتها بل أيضا تطويرها ونقدها ومناقشتها.

وها نحن مرة أخرى نجد أنفسنا، في هذا النموذج الثالث، إزاء مطلبي التحليل والمناقشة المتخفيين في منطوق السؤال المرفق بالقولة.

وتجنبا للإطالة، سأنظر في باقي النماذج أعلاه، دفعة واحدة، لأتبين هل يتعلق الأمر دائما بمطلبي التحليل والمناقشة.

  • باقي النماذج:

أ- ” إن التجربة العلمية التي لا تصحح أي خطأ، و تقدم نفسها بوصفها حقيقة لا نقاش فيها، تجربة لا تصلح لأي شيء.”

انطلاقا من القولة، بأي معنى تصحح التجربة أخطاء العلم؟

ب- ” ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة … إنها ليست حلا لمشكل،بل إمكانية لمعالجته. ”

أوضح مضمون القولة و بين أبعادها.

ج- ” الإنسان إرادة حرة، و سلوكه لا يمليه شيء آخر سواه: فالحرية تفترض استقلالية الإرادة. ”

أوضح مضمون القولة و بين هل حرية الفرد مطلقة؟

د- ” بالرغم من أن التاريخ ليس له غايات، فإننا نستطيع أن نفرض عليه غاياتنا.”

انطلاقا من القولة، إلى أي حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟

- في النموذج “أ” نجد القولة تتضمن أطروحة يتعين الكشف عنها وتحليل عناصرها وحجاجها المفترض، أما المطلب الثاني في السؤال فيتعلق بتوضيح المعنى المقصود بأطروحة القولة المتمثلة في أن التجربة تصحح أخطاء العلم وأنه لا توجد حقائق نهائية في العلم. إذن يبدو أن هذا النموذج مختلف قليلا عن النماذج الأخرى السابقة؛ إذ يبدو أن المطلوب فيه هو فقط توضيه المعنى المتضمن في الأطروحة وتقديم مبررات لها. لكن هل فعلا يمكن توضيح أطروحة ما والكشف عن معناها دو الوقوف عند إحراجاتها وحدودها والمشاكل التي تطرحها ؟ هل هناك أطروحة في مجال الفلسفة تقدم نفسها كبداهة لا يمكن التساؤل حولها بل يجب أن نكتفي فقط بفهمها والأخذ بها ؟ هل التجربة دائما هي تصحيح لأخطاء العلم ؟ هل كل العلماء وفلاسفة العلم يتبنون وجهة النظر هاته ؟ ألا يمكن القول بأن مثل هذه الأطروحة ظهرت على أنقاض أطروحة سابقة يمكن أن تعتقد في يقينية الحقائق العلمية ؟ ألا يمكن للتجربة في مجال العلم أن تكشف عن حقائق بصدد الظواهر الطبيعية لم يفكر فيها أصلا في السابق، وبالتالي لم يرتكبوا بصددها أي خط بل كانت ضمن مجال اللامفكر فيه؟ ثم ألا يمكن أن نعثر داخل الابستيمولوجيا المعاصرة وجهات نظر مختلفة للمقصود بتصحيح التجربة لأخطاء العلم ؟ ألا يمكن أن نعثر على اختلاف في فهم مثل هذه الأطروحة بين فلاسفة العلم ؟ هل فهم بوبر لها هو فهم الوضعيين أو فهم باشلار أو فهم موران أو إنشين أو … ؟ ما نرمي إليه طبعا من خلال هذه التساؤلات، هو أننا لا نعدم أن نجد أنفسنا مطالبين بمناقشة هذه الأطروحة ولو أننا مطالبين على مستوى الظاهر بالكشف عن معناها فقط. ويمكن لهذه المناقشة أن تتم بطرق متعددة؛ كأن نذكر مواقف فلسفية مختلفة تتبناها وتعبر عنها بطرق مختلفة، أو نجد لها عدة معانيها بحسب كل حقل علمي على حدة، أو يمكن أن نصادف بعض الصعوبات ونحن نريد شرح هذه الأطروحة بحيث نجد أنفسنا، ونحن نريد توضيحها، مضطرين إلى مناقشتها وفحص مصداقيتها …

يمكن بطبيعة الحال في حالة هذا النموذج أن نكتفي فقط بتقديم المبررات التي نوضح من خلالها المعنى الكامن في الأطروحة، لكن تقديم مثل هذه المبررات لا يخلو هو الآخر من ممارسة فعل المناقشة، خصوصا وأن هذه الأخيرة لا تعني فقط تقديم مواقف مؤيدة ومعارضة، بل قد تعني فحص مصداقية الأطروحة عن طريق الكشف عن مختلف الأوجه والاحتمالات والمعاني التي قد تتضمنها، وهي المعاني التي قد لا تخلو من تناقضات وإحراجات واختلافات…

- أما النموذج “ب”، فهو يطالبنا بتحديد مضمون القولة وتبيان أبعادها، وقد سبق أن بينا أن المقصود بتبيان أبعاد القولة لا يعني فقط شرحها وتوضيحها وتحليل عناصرها، بل أيضا تبيان حدودها وفحص رهاناتها وبالتالي مناقشتها …

- في النموذج “ج” المطلوب هو : ” أوضح مضمون القولة و بين هل حرية الفرد مطلقة؟” وإذا كانت أطروحة القولة تتمثل في أن الإنسان إرادة حرة، فبين أن المطلوب في السؤال هو توضيح هذه الأطروحة عن طريق تحليل القولة أولا ثم مناقشتها بعد ذلك بتيبان هل حرية الإنسان فعلا مطلقة، ولن يكون ذلك إلا بتقديم أطروحات فلسفية مختلفة. فنحن إذن، في هذا النموذج، مطالبين بشكل واضح بالقيام بعمليتي التحليل والمناقشة، خصوصا وأن السؤال الذي يتضمن مطلب المناقشة له علاقة وطيدة بأطروحة القولة بل إنه يتساءل حول مصداقيتها وحدودها.

- أما في النموذج “د” فنجد السؤال المذيل للقولة كما يلي: “انطلاقا من القولة، إلى أي حد يمكن للإنسان أن يفرض غاياته على التاريخ؟” وحيث أن أطروحة القولة هي: “أننا نستطيع أن نفرض غاياتنا على التاريخ”، فإن المطلب الثاني في السؤال يطالبنا بتيبان حدود (إلى أي حد …) هذه الأطروحة. ومن المعروف أن توضيح حدود أطروحة ما هو بمعنى من المعاني مناقشتها ومجابهتها بأطروحات أخرى مغايرة، وهذا يدل على أن المطلب الثاني في السؤال يتعلق إذن بمناقشة القولة بعد أن يكون المطلب الأول فيه يطالبنا بتحليلها وشرحها والكشف عن أطروحتها (وهذا هو معنى الانطلاق منها).

انطلاقا من كل هذا يمكن أن ننتهي إلى الخلاصات التالية:

- السؤال المذيل للقولة يرتبط بها ولا يوجد معزولا عنها. ولذلك لا ينبغي التعامل معه بدون الانطلاق منها. ومن ثم فهو يختلف عن السؤال المفتوح الذي لا يسبقه أي قول فلسفي. فنحن إذن نجبيب عن السؤال دائما في ضوء القولة وانطلاقا من معطياتها.

- هذا يدفعنا إلى التأكيد على حضور مطلب التحليل في كل الصيغ المتعلقة بالقولة المذيلة بسؤال، إذ لايمكن الإجابة عن السؤال فيها إلا بتحليل القولة وما يتطلبه هذا التحليل من اشتغال على مفاهيم القولة والكشف عن علاقاتها وتحديد أطروحتها وحجاجها المفترض …

- أغلب الصيغ إن لم نقل كلها تحثنا على القيام بمطلب المناقشة؛ إذ نجد المطلب الثاني في السؤال ينصب حول أطروحة القولة و يتساءل عن حدودها أو أبعادها أو عن صحتها …

- يجب إذن الإنصات الجيد إلى المطلب الثاني في السؤال المذيل للقولة، لكن تحليلنا كشف أن مثل هذا الإصغاء لا يمكن أن يتم بعيدا عن مضمون القولة، إذ تمثل هذه الأخيرة أرضية ينطلق منها السؤال وتتحدد انطلاقا منها مساراته وخطوطه العريضة.

- على ضوء كل هذا تتحدد إذن منهجية التعامل مع القولة المذيلة بسؤال؛ فهي تتطلب تمهيدا يسمح بتبرير الإشكال الذي نستخرجه انطلاقا من القولة والسؤال المرفق بها. ثم العمل على تحليل القولة واستخراج أطروحتها … ثم مناقشتها على ضوء المطلب الثاني في السؤال المذيل بها. وأخيرا الخروج باستنتاجات مناسبة لمسار المناقشة. دون أن ننسى إمكانية طرح سؤال أو أسئلة مفتوحة نفتح فيها التفكير في القضية على آفاق جديدة.

ودمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.