Generic Viagra generic viagra europe
قراءة تأملية في سؤال وارد في امتحان وطني من أجل ترسيخ تربية حجاجية لدى التلميذ
سبتمبر 09

بخصوص العلاقة الملتبسة بين كيلسن واسبينوزا في درس الحق والعدالة

يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضا بين القول بأن هانز كيلسن، ممثل النزعة الوضعية، يعارض اسبينوزا وكل فلاسفة الحق الطبيعي من جهة، والقول من جهة أخرى بأن اسبينوزا يرى مثل هانز كيلسن بأنه لا يمكن الحديث عن حق خارج إطار القوانين الوضعية.

فكيف إذن يمكن أن يتعارض كيلسن مع اسبينوزا من ناحية، ويتوافق معه من ناحية أخرى ؟!!

بالفعل يبدو أن في الأمر تناقض، إلا أنه تناقض ظاهري فقط ، إذ يبين التحليل العميق أن اسبينوزا يلتقي مع هانز كيلسن بخصوص فكرة أساسية؛ وهي أنه لا يمكن للناس أن يتمتعوا بحقوقهم – سواء كانت طبيعية أم وضعية – إلا في إطار قوانين الدولة وليس أبدا خارجها. هذه في نظرنا هي النقطة الأساسية التي يلتقي فيها باروخ اسبينوزا مع هانز كيلسن، بالرغم من اختلاف مرجعيتهما الفكرية.

ولتسليك مزيد من التوضيح بخصوص هذه المسألة أقول ما يلي:

التعارض الأساسي القائم بين كيلسن واسبينوزا يوجد فعلا على مستوى الإشكال المتعلق بأساس الحق؛ ففي الوقت الذي يؤسس فيه اسبينوزا الحق على ما هو طبيعي، أي على تصور معين للطبيعة الإنسانية شأنه شأن باقي فلاسفة الحق الطبيعي كهوبز وروسو، نجد أن كيلسن يؤسس الحق على ما هو وضعي، أي على الملابسات والاختيارات و الأوضاع السائدة في كل مجتمع.

ومن هنا فعلى مستوى التصور يقر اسبينوزا بوجود حقوق طبيعية سابقة على وجود أي مجتمع، في حين يرى كيلسن أنه لا مجال للقول بمثل هذا التصور لأنه لا يعدو أن يكون تصورا ميتافيزيقيا، أي مجرد افتراض أو تأمل عقلي لا تسنده دعائم واقعية وتجريبية. هكذا فالاختلاف بين الفيلسوفين هو اختلاف بين تصورين؛ أحدهما ميتافيزيقي والآخر وضعي. ونحن نعلم كيف أن أقلام الوضعيين انبرت، بدءا من القرن التاسع عشر، لمهاجمة الميتافيزيقا وإبطال دعاوي الميتافيزيقيين. فقد رفض كيلسن،كممثل للنزعة الوضعية القانونية، تأسيس الحق على ما هو طبيعي لأنه وبكل بساطة لا وجود لمثل هذه الطبيعية الإنسانية، وتصور الفلاسفة لها هو محض تأمل ميتافيزيقي ينبغي تقويضه، وتعويضه بتصور وضعي يرتكز على أسس واقعية وتجريبية. من هنا رأى كيلسن أنه لا وجود لحق غير الحق الوضعي من جهة، ولا وجود لهذا الحق الوضعي خارج إطار القوانين الجاري بها العمل من جهة أخرى. وهذا معناه أن كل مجتمع يضع حقوقا بحسب موازين القوى السائدة فيه، وبحسب اختياراته ومرجعياته الاجتماعية والثقافية وغيرها. وهو الأمر الذي جعل كيلسن يقول بنسبية الحق وتعدده بحسب اختلاف المرجعيات الفكرية و الاجتماعية، ويرى أنه لا وجود لحق خارج إطار القوانين التي تلزم العمل به على أرض الواقع، وهذا معنى قوله بأن الحق يقول القانون والقانون يقول الحق، فلا يمكن والحالة هاته الفصل بينهما.

حول هاته النقطة بالذات نجد اختلافا من جانب بين كيلسن واسيبنوزا، واتفاقا بينهما من جانب آخر، وهو الأمر الذي يتولد عنه في الذهن بعض التناقض الذي أزعم أنه تناقض ظاهري يمكن تجاوزه وتبديده، فكيف ذلك؟؟

اسبينوزا كفيلسوف طبيعي يقول بوجود حق خارج إطار القوانين الوضعية، وهو ما يرفضه كيلسن كفيلسوف وضعي، وهذا هو الجانب الذي يختلف فيه الفيلسوفان. لكن مع ذلك فهما يلتقيان في جانب آخر، يتمثل في قولهما معا أنه لا يمكن أن يتمتع الناس بحقوقهم إلا في إطار قوانين الدولة وليس خارجها، ولا يهم إن كانت هذه القوانين طبيعية أم وضعية. فاسبينوزا يرى أن الحالة التي كان يسود فيها الحق الطبيعي، وتتحكم قوانين الشهوة والغريزة، هي حالة انتهت إلى الفوضى والكراهية والصراع، واستحال على الناس فيها التمتع بحقوقهم الطبيعية، ولذلك تحتم عليهم الانتقال إلى حالة أخرى تسود فيها قوانين العقل بدل قوانين الشهوة، ويحتكم فيها الناس إلى القوانين التي سيضعونها عن طريق التعاقد بدل أن كانوا يحتكمون إلى أهوائهم ورغباتهم الذاتية في حالة الطبيعة. بيد أنه يجب أن نشير هنا إلى أن اسبينوزا يرى، شأنه شأن كل فلاسفة الحق الطبيعي، أن في أساس كل حق وضعي يوجد حق طبيعي محايث له. وهذا معناه أن كل القوانين التي ستضعها الدولة هي قوانين تجد مرتكزها وأساسها في الحقوق الطبيعية للأفراد، كما أن هذه الحقوق الطبيعية لا يمكن للأفراد التمتع بها إلا في إطار قوانين الدولة. فهناك علاقة جدلية عند اسبينوزا بين الحقوق الطبيعية وقوانين الدولة؛ فالأولى تحتاج إلى الثانية، إذ خارج إطار الدولة وقوانينها لا يمكن أبدا للأفراد أن يتمتعوا بحقوقهم الطبيعية كالحق في الحرية والحياة والملكية وغير ذلك، حيث أن الغلبة ستكون للأقوى وسيتمع هذا الأخير وحده بحقوقه وسيكون ذلك على حساب هضم حقوق الآخرين. وهذا ما يستلزم حسب اسبينوزا طاعة الأفراد لقوانين الدولة، بعد أن يكونوا قد تعاقدوا حولها في إطار الدولة، و على نحو ديمقراطي يراعي الحقوق الطبيعية للجميع. فقوانين الدولة هي التي تضمن تمتع الناس بحقوقهم الطبيعية؛ إذ خارج إطار الدولة سنسقط في الفوضى وسيتعذر التمتع بالحقوق الطبيعية من طرف الجميع. هذا ما جعل اسبينوزا يرى أنه لا يمكن تجسيد الحق الطبيعي على مستوى الواقع إلا من خلال القوانين التي ستمثلها السلطة الحاكمة. فلا يمكن إذن وجود حق –على مستوى الواقع الفعلي- خارج إطار القوانين. هذا هو ما ننتهي إليه حسب منطق التفكير لدى اسبينوزا.

وبحسب هذه الخلاصة، نجد أن اسبينوزا يلتقي مع هانز كيلسن حول القول بأنه لا يمكن تجسيد الحق والتمتع به من قبل الأفراد إلا في إطار قوانين الدولة. غير أن الحق الذي يقول به اسبينوزا هو حق طبيعي يجد مرتكزه في تصور معين للطبيعة الإنسانية، وهو حق تعمل قوانين الدولة على تجسيده وإلزام الأفراد به، في حين أن الحق الذي يتحدث عنه كيلسن هو مجرد حق وضعي يتفق عليه الناس في فترة زمنية ما، وفي مجتمع ما، بحسب ظروف عيشهم واختياراتهم، وهو حق يصاغ في شكل قوانين تلزم بالعمل به ولا يمكن الحديث عنه خارج إطارها.

لكي أوضح أكثر أقول: إن اسبينوزا يقر على مستوى التصور الفكري المجرد أن هناك حقوق طبيعية للأفراد تستمد من ماهيتهم أو طبيعتهم الإنسانية، وهي حقوق مطلقة وغير قابلة للمساس أو التلاعب، وهو ما يرفضه كيلسن إذ يذهب إلى القول بعدم وجود حقوق طبيعية مطلقة، وأن ما يوجد هو حقوق وضعية نسبية تختلف من مجتمع لآخر. غيرأن اسبينوزا يرى أن تلك الحقوق الطبيعية هي في حاجة إلى قوانين الدولة لتجسيدها على أرض الواقع وجعل الناس يحترمونها ويلتزمون بها، وخارج هذه القوانين يصعب على الناس –خصوصا الضعفاء منهم- التمتع بتلك القوانين. وحول هاته النقطة الأخيرة يتفق اسبينوزا مع كيلسن؛ إذ يرى هذه الأخير أن الحق لا يوجد ولا يمكن للناس التمتع به خارج إطار قوانين الدولة.

فإذن، سواء كان أساس الحق طبيعيا مع اسبينوزا أو وضعيا مع كيلسن، فإن كلا الفيلسوفين يرى من زاويته الخاصة أن الحق يحتاج إلى القانون لكي يترجم على أرض الواقع وتلزم الدولة الأفراد بالتقيد به واحترامه.

إن الاختلاف بين الفيلسوفين يكمن على مستوى أساس الحق، لكن التقاءهما يكمن على مستوى حاجة الحق إلى القانون، بغض النظر ما إذا كان هذا الحق طبيعيا أم وضعيا.

انطلاقا من هنا يمكن الدمج بين المحورين الأولين من درس “الحق والعدالة”، باعتبار أنهما معا يعالجان إشكال أساس الحق بين ما هو طبيعي وما هو وضعي. ويمكن معالجة الإشكال بتقديم موقف فلاسفة الحق الطبيعي وموقف شيشرون من جهة، باعتبارهم يؤسسون الحق على الطبيعة، والموقف الوضعي من جهة أخرى باعتبار أنه يقول بتصور مغاير لأساس الحق، يجد مرتكزه فيما هو وضعي وليس فيما هو طبيعي …

أعتقد أن اسبينوزا يلتقي مع كيلسن ليس حول إشكال أساس الحق، بل حول الإشكال المتعلق بعلاقة الحق بالقانون. فإذا طرحنا الإشكال على هذا النحو: هل أساس الحق طبيعي أم وضعي ؟ نجد بطبيعة الحال أن الفيلسوفين يختلفان في الإجابة عليه؛ إذ إن أساس الحق عند اسبينوزا طبيعي وعند كيلسن وضعي.

أما إذا طرحنا الإشكال على هذا النحو: هل يوجد حق خارج إطار القانون ؟ فإننا نجد اسبينوزا يلتقي مع كيلسن حول القول بأن الحق لايمكن أن يوجد على أرض الواقع، ولا يمكن للناس التمتع به، إلا في إطار القوانين. فالحق يحتاج إلى القانون سواء عند اسبينوزا أو كيسلن، مع وعينا التام بأن اسبينوزا يقول على مستوى التصور المجرد بوجود قوانين طبيعية تعلو على كل الملابسات الواقعية للمجتمعات، غير أن هذه الحقوق لا تصبح لها فعالية ووجود واقعي مؤثر وملموس إلا من خلال قوانين الدولة، فخارج هذه القوانين يصعب إلزام الناس باحترام حقوق بعضهم البعض. وحول هذه النقطة الأخيرة يلتقي اسبينوزا مع كيلسن كما أوضحنا سابقا.

هكذا فحينما نقول على لسان اسبينوزا بأنه “لا يوجد حق خارج إطار الدولة”، فإننا نقصد بذلك أن اسبينوزا يرى بأنه لا يمكن للناس التمتع بحقوقهم الطبيعية إلا في إطار الدولة وقوانينها، ولم نقصد أنه ينكر وجود حقوق طبيعية سابقة أصلا على وجود الدولة، وهو الأمر الذي لا يقبله هانز كيلسن.

ولذلك نكرر القول بأن اسبينوزا، مثله مثل فلاسفة الحق الطبيعي، يقول بوجود حقوق طبيعية سابقة على كل تشريع مدني أو وضعي، وهنا يختلف مع كيلسن، لكنه مع ذلك يلتقي معه في القول بأن الحق يحتاج إلى الدولة وقوانينها لكي يتجسد ويتمتع الناس به، سواء اعتبر هذا الحق طبيعيا ( اسبينوزا ) أو وضعيا ( كيلسن ).

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.