Generic Viagra generic viagra europe
في أن لكل فيلسوف حدس أصيل ومتفرد الحجة ووظيفتها في النص الفلسفي
سبتمبر 13

الغير بعيون ديكارت


مع ديكارت سيتبلور بوضوح مفهوم الشخص باعتباره مركز العالم انطلاقا من كونه ذاتا مفكرة يتعين عليها أن تؤسس الحقيقة انطلاقا من نفسها. ومعلوم أن ديكارت وقبل أن يتوصل إلى أية حقيقة، فهو قد بدأ في الشك في كل شيء بما في ذلك وجوده ليتوصل إلى أن هناك حقيقة أولية بسيطة لايطالها الشك وهي “أنه يشك” أي يفكر، وبالتالي فهو يقينا يوجد كذات أو كجوهر مفكر، أما كيف يتم إدراك الذات، فإن ديكارت يجيب أن هذا الإدراك يتم عن طريق حدس عقلي مباشر.

إن تأسيس وجود الذات على أساس فعل الوعي الذي هو فعل داخلي ومكتف بذاته يجعل الأنا سجينة عالمها الداخلي، كما يجعلها غير قادرة على إثبات وجود الغير كأنا آخر إلا عن طريق الاستدلال بالمماثلة، أي عن طريق الافتراض بأنه ذات مثله مثل الأنا انطلاقا من الصفات والخصائص الخارجية التي تتشابه بينهما. وهذا ما يبدو من هذا النص الشهير لديكارت: “أنظر من النافدة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول إني أرى رجالا يعينهم، مع أنه لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب، لكني أحكم بأنهم ناس”

ما يمكن ملاحظته هنا هو أن إثبات وجود الغير يتم عن طريق الحكم العقلي الاستدلالي، وهو حكم افتراضي لا يرتقي إلى مستوى الحدس العقلي واليقيني الذي يتم به إثبات وجود الأنا.

وهكذا فالنتيجة المنطقية لفلسفة الذات عند ديكارت هو وقوع الأنا في نوع من العزلة والوحدانية التي تجعله ينكفئ على ذاته، ويعيها، ويثبت وجودها إثباتا حدسيا، يقينيا ومباشرا دون أية حاجة إلى وجود الغير.

فوجود الغير في فلسفة ديكارت، هو وجود غير ضروري بالنسبة لوجود الأنا ووعيه بذاته، إنه مجرد وجود افتراضي قابل للشك، محتمل وجائز.

نجد أن الناس استحالوا من خلال نظرة ديكارت إليهم إلى آلات، فيبقى المشكل هو: كيف أعرف أن الغير هو أنا آخر وليس مجرد آلة ؟؟

واضح أن ديكارت حينما نظر من النافذة إلى هؤلاء المارة، فهو اعتمد في ذلك على الإدراك الحسي البصري الذي لا يقدم له سوى المستوى الظاهري الخارجي من الغير، وهو الجسم فقط. ولذلك فديكارت كفيلسوف عقلاني لا يثق في شهادة الحواس، إنه يعتبرها خادعة إذ العقل هو الذي يمكن من بلوغ الحقيقة. فالحواس لم تقدم لديكارت سوى الحقيقة التالية: إنه يرى آلاتا أو أجساما تتحرك بفعل لوالب؛ إذ من الصعب على الحواس أن تتجاوز مستوى الظاهر وتقدم لديكارت معلومات عن باطن هؤلاء المارة؛ هل هم فعلا بشر لهم أفكار وأحاسيس مثله أم هم مجرد آلات متحركة ؟

وإذا كانت الحواس لا تستطيع إثبات وجود الغير، فكيف يمكن إثباته إذن؟ كيف يمكن إذن الانتقال من الظاهر إلى الباطن؟ كيف يمكن الاستدلال على وجود الوعي من المظاهر الخارجية للجسد ؟

من المعروف أن ديكارت، بعد عملية الشك، أثبت وجود أناه على نحو حدسي ويقيني. لكنه صعب عليه أن يثبت وجود الغير بنفس الكيفية الحدسية المباشرة واليقينية، ولذلك فقد لجأ في إثباته للغير إلى طريقة استدلالية غير مباشرة؛ إنها المتمثلة في استدلال المماثلة. ويرتكز هذا الاستدلال على الانطلاق من الظاهر لمعرفة الباطن؛ كأن أعرف خجل الغير من احمرار وجهه، أو أعرف فرحه من ابتسامته وهكذا. فديكارت حينما نظر من النافذة لم يستطع أن يرى بعيونه <حاسة البصر> سوى الآلات وليس البشر. لكن ما الذي جعله يحكم بعقله أنهم بشر وليسوا آلات ؟

إن مرد حكمه فيما يبدو هو أنهم يشبهونه على مستوى الجسم والظاهر ، فهم لا يبدون كالأشجار أو الكلاب أو القطط أو الأفاعي مثلا بل يظهرون مثله كبشر. وهذا الظاهر الذي يتبدون من خلاله هو الذي جعل ديكارت يفترض أنهم بشر مثله؛ أي أن لهم وعي أيضا، وأنهم أنواة أخرى أيضا تشبه أناه هو. لكن في جميع الأحوال يظل إثبات الغير على النحو الاستدلالي مجرد إثبات افتراضي لا يرقى إلى مستوى الإدراك الحدسي العقلي اليقيني. ولذلك قال الفيلسوف مالبرانش: إن وجود الغير هو مجرد تخمين فقط.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.