Generic Viagra generic viagra europe
هيدغر: الوجود مع الغير الإنسان حيوان ميتافيزيقي
سبتمبر 14

تأملات في العنف


العنف مفهوم ضبابي ومطاط يصعب تحديده، إنه يقع ما دون الكلام كتعبير عن قوة بدائية مدمرة، والحوار وحده قادر على الحد من آثاره.

لقد كان العنف يتعارض في التقليد القديم مع الحوار. فقد عارض قدماء الإغريق العنف والقهر الناتج عن الطغيان، وبين الحوار ولغة الإقناع اللذان تتيحهما أغورا المجال السياسي الديمقراطي. إن هدف الديمقراطية هو رفض العنف كنمط للحكم، خصوصا بين المواطنين الأحرار.

وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث سنجد انشغالا لدى فلاسفته بمواجهة الآثار المدمرة للعنف، عن طريق ابتكار قوانين تتأسس على العقل واحترام الحريات المشروعة. هكذا اقترح فلاسفة الحق الطبيعي ضرورة الانتقال من حالة العنف والفوضى والصراع، من أجل الانتقال إلى حالة المدنية أو الاجتماع التي سيزول فيها العنف الطبيعي وتبزغ قوة القوانين التي تحميها مؤسسات الدولة، وتتغيى من خلالها تحقيق الأمن والحرية والتعايش السلمي.

إن العنف لا يختفي نهائيا وإنما يتم تقنينه بواسطة القوانينالتي تتكفل مؤسسسات الدولة بتطبيقها على أرض الواقع. وهذا ما جعل ماكس فيبر يتحدث عن عنف مشروع تحتكره الدولة لصالحها، وتمنع كل الأفراد أو الجماعات الأخرى من استخدامه إلا بتفويض من الدولة.

يمكن القول إذن أننا أمام نوعين من العنف؛ أحدهما سلبي وهو الذي يتم بموجب النزوع العدواني والطبيعي الذي يقبع في الأعماق السحيقة للإنسان، والآخر إيجابي وهو الذي يعبر عن تلك القوة التي تتم ممارستها من قبل مؤسسات السلطة السياسية باسم القوانين المنظمة.

انطلاقا من هنا فقد صورت لنا الكثير من الفلسفات الإنسان كحيوان شرير بطبعه؛ فهو ذئب لأخيه الإنسان بتعبير هوبز، كما أنه عدواني بطبعه كما تقدمه لنا كشوفات التحليل النفسي الفرويدي. ولأجل الحد من عنف الإنسان الطبيعي الرابض في أعماقه، كان لا بد من عملية أنسنة تمكن الكائن البشري من التحكم في نزوعاته الطبيعية والارتقاء بوجوده إلى المستوى الإنساني والأخلاقي الرفيع، كما يقتضي الأمر ردع العنف بوسائل التقدم الحضاري والثقافي من أجل ضمان النظام والانسجام اللذان يعتبران شرطين ضروريين لتعايش الحريات الفردية.

يمكن القول بأن هناك خطاب فلسفي رافض للعنف انطلاقا من الاعتقاد بعدم توافقه مع الطبيعة الخيرة للإنسان من جهة، وتعبيره عن البعد الحيواني في الإنسان من جهة أخرى، انطلاقا من سعي مثل هذا النوع من الخطاب إلى عقلنة الحياة الإنسانية وبنائها على الحوار والاحترام والاعتراف بالحقوق المشروعة للجميع. كما نجد خطابا آخر يحاول منح الشرعية للعنف والإقرار بضرورته للسلطة السياسية للدولة. وفي هذا السياق نجد ماكيافيلي يعتبر العنف إلى جانب المكر وسيلتين أساسيتين ينبغي على الأمير استخدامهما لتثبيت دعائم السلطة السياسية، إذ يتعين عليه ان يكون أسدا ليرهب الذئاب وثعلبا لكي لا يقع في الفخاخ. كما نجد ماكس فيبر يعتبر أن العلاقة بين العنف والدولة هي علاقة حميمية، بحيث لا يمكن تعريف الدولة إلا انطلاقا من مفهوم العنف. هكذا يتحدث فيبر عن عنف موضوعي تحتكره الدولة وتمارسه وفقا للقوانين لاتي يتم تشريعها. لكن الرهان هنا هو: كيف يمكن محاصرة العنف وتقنين وجوده ؟ وكيف يتم تحديد نمط اشتغاله ؟

فبين خطاب طوباوي –غاندي مثلا- رافض للعنف، وخطاب مغال في تمجيد العنف وهو ما قد يلحق عنه أضرارا ومخاطر كثيرة، نجد أن رهان المجتمعات المعاصرة هو السعي إلى أنسنة العنف وجعله قوة مشروعة تتوخى البناء والارتقاء بالوجود البشري من الفعل الحيواني المدمر إلى الفعل الإنساني المعقلن. وهذا يذكرني بتعريف جاكلين روس للدولة كممارسة معقلنة للسلطة السياسية، وهي سلطة تمنع كل أشكال العنف والترهيب التي قد يتعرض لها الأفراد.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.