Generic Viagra generic viagra europe
في تحليل النص في الإيديولوجيا
سبتمبر 15

في الجبر والاختيار


من شروط الإيمان في الإسلام أن نؤمن بالقدر خيره وشره.

لكن الإيمان بالقدر لا ينفي على الإنسان تحمل المسؤولية عما يصدر عنه من أفعال أخلاقية.

فالإنسان حر ومسؤول عن أفعاله، وإلا سوف لن يكون للتكليف وبعث الأنبياء والحساب والعقاب…أي معنى؛ إذ كيف سيحاسبني الله على فعل السرقة أو الظلم مثلا وأنا لم أرتكبهما بمحض إرادتي؟

فالقدر هو ما يقع لنا بعد أن نستنفذ كل طاقاتنا في حسن التصرف والأخذ بالأسباب.

فديننا يدعونا إلى العمل وتحمل المسؤولية وتعمير الأرض بالخيرات عن طريق العلم واستخدام العقل إلى أقصى الحدود. لكننا مع ذلك نعترف بمحدودية قدرات عقلنا البشري ونفوض أمرنا إلى الله بعد أن نتخذ كل الاحتياطات والأسباب التي نستطيع فعلها.

إن من شروط الإيمان في الإسلام هو الإيمان بالقدر خيره وشره. والحديث النبوي الذي يؤكد ذلك صحيح ومشهور ويعرفه الجميع. يبقى فقط علينا أن نفهم ما المقصود بخير القدر وشره ؟

إن القدر هو ماكتبه الله لنا في هذه الحياة من أحداث ستقع لنا سواء كانت خيرا أو شرا. لكن حينما نقول أن الله كتب علينا كذا وكذا، فإننا لا نقصد أن الله يجبرنا على أفعال بعينها بل إنه يترك لنا المجال حرا للفعل والاختيار؛ فالقول بالقدر لا يتنافى في الإسلام مع القول بحرية الإنسان ومسؤوليته، ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقدر علينا الوقائع بحسب نياتنا والأسباب التي اتخذناها لإنجاز الفعل.

ولذلك فالقول بالقدر لا يتنافى مع فكرة العدل الإلهي؛ فالله يقدر علينا أفعالا ووقائع بشكل عادل ودقيق، وبحسب ما نستحق وما نحن أهل له.

فالله يعرف في علمه الأزلي بنياتنا والمجهودات التي سنقوم بها، وهو يقدر علينا الأفعال بحسب تلك النيات والمجهودات التي سنقوم بها.

فإذا كانت نيتي مثلا هي أن أنجح في الامتحان وقمت باتخاذ الأسباب لتحقيق ذلك، فإن الله سيقدر علي النجاح لأن النجاح والشفاء والتوفيق من الله، أما نحن فنتخذ الأسباب فقط (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت).

وهذا هو الفرق بين التوكل والتواكل؛ فالأول نتخذ فيه الأسباب ونقوم بالمجهودات اللازمة ثم نفوض أمرنا بعد ذلك لله، أما الثاني فهو عدم بذل المجهود وعدم اتخاذ الأسباب وانتظار النتائج الحسنة.

فالله يقدر علينا الأحداث بحسب ما إذا كنا متوكلين أو متواكلين.

ولذلك فقد رأى المعتزلة أن القول بالقدر لا يتنافى مع العدل الإلهي؛ فليس في القدر ظلم من الله، بل إن القدر من التقدير وهو إعطاء كل فرد ما يستحقه وبشكل مضبوط ودقيق.

أما بخصوص التساؤل؛ هل الله يخلق الشر؟، فيمكن التمييز هنا بين الشر الأخلاقي الإنساني والشر الميتافيزيقي الإلهي؛ فالأول يدل على ما يقوم به الناس بمحض إرادتهم من أفعال يتحملون مسؤوليتها كالسرقة والظلم مثلا، والثاني يدل على مجموعة الأفعال الطبيعية التي لا دخل للإنسان فيها كالموت والزلازل والبراكين والحشرات والميكروبات…فهذه من الشرور التي قدرها الله علينا لأن فيها حكمة وغاية قد لا نعرفها نحن بعقلنا المحدود. ولذلك يعتبر الكثير من العلماء أن هذا النوع الثاني من الشرور ليست شرورا على وجه الدقة بل إن فيها خيرا للإنسان ولاستمراريته في هذا الكون.

يمكن أن ألخص إذن بالقول: إن الإنسان حر ومسؤول عما يفعل، وإذا لم نقر بمسؤولية الإنسان فلا معنى للنبوة والتكليف والحساب والعقاب…غير أن القول بحرية الإنسان ومسؤوليته لا يتنافى مع القول بالقدر لأن أفعالنا وإن كانت من اختيارنا فنحن نقوم بها بعلم الله وتقديره، لأن علمه واسع وهو خالق كل شيء بما فيها أفعال العباد، وهو يخلقها وفقا لاختيارهم.

ولذلك قال الإمام الغزالي بأن الإنسان مجبور على الاختيار؛ ففعل الإنسان له فاعلان في نفس الوقت الله والإنسان معا، وليس هناك أي تناقض في ذلك.

بطبيعة الحال مسألة الجبر والاختيار هي مسألة معقدة خاضت فيها الفرق الكلامية في الإسلام، وكل فرقة دعمت موقفها بحجج نقلية وعقلية، وكل فرقة أولت الآيات القرآنية لصالحها. ولذلك يصعب الحسم نهائيا في هذه المسألة.

وقد انقسمت الفرق الكلامية إلى ثلاثة رئيسية:

* الجبرية: وهي من الجبر الذي يعرفه الشهرستاني بأنه (نفي الفعل حقيقة على العبد وإضافته إلى الرب تعالى، والجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلا أصلا ولا قدرة على الفعل أصلا). من هنا فالإنسان في نظرهم لا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور على أفعاله ولا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار…

* المعتزلة: الإنسان مخير وهو خالق لأفعاله خيرها وشرها، وهو مسؤول عما يفعل…

* الأشاعرة: كل ما يقع في الكون من حوادث لا يخرج عن مشيئة الله، فإرادة الله تشمل الخير والشر معا. وقد قال الأشاعرة بنظرية الكسب، وهي تعني عندهم أن أفعال الإنسان مخلوقة من طرف الله (وهو خالق كل شيء)، مكتسبة من طرف الإنسان. وقد قال الغزالي بأن الإنسان مجبور على الاختيار، وأن للفعل الإنساني فاعلان هما الله والإنسان معا وليس هناك أي تناقض في ذلك؛ فنحن نقول مثلا: قتل الأمير فلانا، ونعني أن الجلاد قد قتله؛ فالجلاد قاتل بمعنى والأمير قاتل بمعنى آخر.

بطبيعة الحال لكل فرقة كما قلت حججها النقلية والعقلية بخصوص الإجابة التي قدمتها بخصوص إشكالية الجبر والاختيار. كما للخلافات الكلامية بخصوص هذه المسألة جذور سياسية، أي خلافات بين الفرق حول الحكم السياسي ومسألة الخلافة.

كما نود أن نقول أيضا بأن نقاشات الفرق الكلامية كانت تتم تحت سقف النص الديني؛ ولذلك فكل فرقة تقرأ النص الديني وتؤوله لصالح الموقف الذي تتبناه.

وقد ناقش الفلاسفة أيضا مسألة الحرية والاختيار والمسؤولية… إلا أنهم ناقشوا ذلك بحجج عقلية وبعيدا عن النص الديني. فمنهم من قال بحرية الإنسان ومنهم من قال بخضوعه لحتميات سواء كانت طبيعية أو بيولوجية أو اجتماعية أو ثقافية أو لاشعورية أو غيرها.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.