Generic Viagra generic viagra europe
9-3 ملخص مفهوم الحرية 4 - تأطير مجزوءة الأخلاق
ديسمبر 13

ضرورة التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي:

أشكاله ومسوغاته الفلسفية

بقلم محمد الشبة

نروم في هذا المقال الوقوف عند خاصية نعتبرها جوهرية في الكتابة الفلسفية عموما، وفي الكتابة الإنشائية التلاميذية على وجوه الخصوص. ويتعلق الأمر بخاصية التفكير الذاتي التي تتوقف عليها في نظرنا، من حيث درجة حضورها أو غيابها، جودة الإنشاء الفلسفي أو رداءته.

هكذا سيكون هدفنا هو ربط جسور التواصل بين التفكير الفلسفي كما نجده لدى الفيلسوف، وبين الكتابة الإنشائية كما يعبر عنها يراع التلميذ وتسمح بها إمكانياته العقلية، وهو يبدع في مجال جنس أدبي مدرسي نسميه الإنشاء الفلسفي. وتتمثل جسور التواصل هنا في مظاهر التفكير الذاتي كما يترجمها الفيلسوف أثناء ممارسته لأفعال التفلسف وتفكيره في قضايا الإنسان والوجود والمجتمع، وبين أشكال حضور هذه المظاهر في الكتابة الإنشائية لدى التلميذ، حتى تكون بالفعل كتابة تعكس الكفاية المنهجية الأساسية التي يستهدفها الدرس الفلسفي والمتمثلة في اكتساب المتعلم لآليات التفكير الفلسفي وأدواته الأساسية، وهي الآليات التي ستمكنه من التفكير بشكل منطقي و ذاتي في معالجة إشكالات فلسفية نظرية أو قضايا مرتبطة بحياته اليومية والاجتماعية، وستمكنه من تنظيم تفكيره لمواجهة وضعيات إشكالية جديدة.

من هنا سيكون علينا البحث عن مبررات أو مسوغات لضرورة حضور التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي من داخل الممارسة الفلسفية نفسها، كممارسة ترتكز على الاستقلالية في التفكير والقدرة على النقد والمساءلة والجرأة في التعاطي مع مختلف الإشكالات و القضايا. وهذا الأمر يقتضي منا إبراز بعض مظاهر التفكير الذاتي لدى الفيلسوف، لجعلها أهدافا أساسية لا بد من تحقيقها على مستوى الكتابة الفلسفية الإنشائية لكي لا تنسلخ عن روح التفلسف ذاتها، ولكي لا تنزاح عن إطار الكفايات التي يروم الدرس الفلسفي تحقيقها في سلك التعليم الثانوي التأهيلي.

فكيف إذن يمكن البحث عن مسوغات لضرورة التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي من داخل الفلسفة نفسها؟ وبأي معنى يمكن اعتبار حضور التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي مؤشرا قويا على تحقق الكفايات المنهجية التي يروم الدرس الفلسفي تحقيقها، كدرس في اكتساب التفكير وليس فقط في إكساب الأفكار ؟

إن مثل هذا التساؤل سيقودنا إلى ربط جسور تواصل أخرى، نعتبرها ضرورية، بين الدرس الفلسفي وكيفية بنائه وإنجازه من جهة، وبين الإنشاء الفلسفي وكيفية صياغة عناصره من جهة أخرى. وتأتي ضرورة مثل هذا الربط من مبدإ أساسي ننطلق منه؛ ويتمثل في اعتبارنا لفضاء الدرس الفلسفي كفضاء خصب لتمرن المتعلمين على أفعال التفكير التي يتوجب عليهم ترجمتها على مستوى كتاباتهم الإنشائية بعد ذلك. فالدرس الفلسفي، والحالة هذه، هو بمثابة الخشبة التي تتم فيها “بروفات” الإعداد القبلي لأشكال التفكير التي سيقدمها التلاميذ بعد ذلك، كممثلين، أمام جمهور الأساتذة/المصححين.

فكيف نجعل، إذن، درسنا الفلسفي مؤهلا لجعل التلميذ يكتسب مبادئ التفكير الذاتي ويجسدها بعد ذلك على مستوى كتابته الإنشائية؟ ما هي إمكانيات وأشكال حضور التفكير الذاتي في الدرس الفلسفي ؟ وبأي كيفية يمكن تحويلها من مستوى الإنجاز الفعلي في الفصل الدراسي لكي تتمظهر على مستوى الإنشاء الفلسفي ؟ وما هي سمات وتجليات حضور التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي ؟ وكيف يكون هذا الحضور مؤشرا على تميز وجودة الكتابة الإنشائية التلاميذية ؟

سننطلق من التأكيد على أن ما يسمى بالفلسفة أو الفكر الفلسفي، لا يعدو أن يكون في آخر المطاف إلا تعبيرا عن أشكال من التفكير الشخصي التي تعبر عن مزاج كل فيلسوف وعاداته في الكتابة والإفصاح عن تصوراته الذاتية بصدد قضايا الوجود والمعرفة والقيم. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن ذوات فلسفية تمظهرت بأشكال مختلفة عبر تاريخ الفلسفة ومسار التفكير فيه؛ فبالرغم من وجود خصائص تفكيرية مشتركة بين الفلاسفة، تجسدت في أفعال الدهشة والنقد والتساؤل وغير ذلك، وبالرغم من وجود إشكالات ومواضيع تقليدية شكلت محط اهتمام الفلاسفة، فإن أشكال ممارسة أفعال التفكير في مختلف القضايا ظلت تنطبع دوما بالذات الخاصة لكل فيلسوف؛ أقصد بحدوسه الخاصة التي تعكس منطلقاته الفكرية ومزاجه وأساليبه في التعبير والكتابة.

هكذا وجدنا أنفسنا دوما، في تاريخ الفلسفة، إزاء أشكال من التفكير المختلفة سواء كانت أفلاطونية أوأرسطية أوديكارتية أواسبينوزية أونيتشوية …الخ.وهو ما يعني أنه لا توجد الفلسفة بأل التعريف، بل ما يوجد هو أشكال في التفلسف لا حصر لها. وما يمكن للتلميذ أن يتعلمه ليس هو الفلسفة كفكر اكتمل وانتهى، بل تعلم أشكال متنوعة في التفكير والتفلسف من أجل الاستئناس بها لإنتاج شكل في التفكير خاص به. وهذا يعني أنه لا يمكن إنتاج فكر فلسفي حقيقي إلا بنسيان كل أشكال التفلسف التي تعلمناها أو لقنت لنا، أو على الأصح لا يمكن التفلسف بشكل ذاتي إلا باستخدام أدوات التفكير التي وجدناها عند الفلاسفة من أجل اختبارها في وضعيات جديدة، بل وتطويرها بما يخدم أفق الذات في التعاطي الجاد مع همومها الخاصة وابتكار الأساليب والطرق القمينة بمعالجتها على نحو متفرد وأصيل.

· في الوشائج القوية بين التفكير الذاتي وفعل التفلسف

إن ما يهمنا هنا هو التأكيد على العلاقة القوية الموجودة بين التفكير الذاتي وفعل التفلسف، باعتبار أن التفلسف هو تعبير عن عمليات عقلية، تساؤلية ونقدية تناهض كل فكر دوغمائي، وتشجع على التفكير الذاتي كتفكير قائم على حرية العقل في الكشف عن حقيقة الوجود ومعناه بالنسبة للإنسان.

وفي هذا السياق يرى ميشيل توزي ( Tozzi) « أن التفكير الذاتي يسمح للفرد أن يتساءل عن معنى وجوده وقيمته، وعن المشاكل التي تطرحها حياته الشخصية والتزاماته الفردية والجماعية ». وهذا ما يجعل الذات الفردية تحتل مكانة جوهرية في الاهتمام الفلسفي الذي يدعو إلى إعادة النظر في الذات، من حيث هي المدخل الأساسي لمساءلة بديهيات المجتمع والتفكير في أشياء العالم ومعطياته، بتبصر ويقظة يحاربان كل انخراط مجاني وأعمى في الوجود، وكل ذوبان للذات في الكل دون البحث عن فرادة ومعنى وموقع.

فوظيفة الفيلسوف الأساسية هي ترجمة تجاربه المعيشية ترجمة عقلية انطلاقا من رؤيته الخاصة، وذلك باعتماد ما تتيحه له الفلسفة من مقولات وأدوات وأطر في التفكير. فما « أريده، وما أبحث عنه في كل إنسان أعجب به، وفي كل شخص أعرفه معرفة حقيقية – يقول كيركيجارد – هو ألا يفكر بالنهار إلا في مقولات حياته، وأن يحلم بها في الليل. »

نعم فماهية التفكير الفلسفي أنه تفكير ينطلق من الذات ويسائل حياتها الخاصة، ويقرأ على ضوئها علاقته بالحياة والآخرين. وكل ذلك يتم في إطار من الاستقلالية في التفكير والجرأة على البوح بتوجسات الذات وقلقها المعرفي والأنطلوجي.

وإذا كان هذا حال التفكير الفلسفي، فإن الهدف من تدريسه ليس تلقين معارف ومعلومات بقدر ما هو تعليم أساليب في التفكير، من شأنها أن تقوي الحس النقدي لدى المتعلم وتنمي ميولاته الشخصية في التعبير عن ذاته بشكل إيجابي وفعال. فالمهم في ميدان الفلسفة هو أن نتعلم كيف نتفلسف ونجسد منظورنا الذاتي في مختلف القضايا التي فكر فيها الفلاسفة، أو تلك التي لم يفكروا فيها بعد. ولن يتم ذلك إلا بتنمية القدرات والمهارات العقلية للمتعلم؛ كالقدرة على التساؤل والشك والنقد والتحليل والتركيب وغير ذلك. ومن شأن هذه القدرات أن تجعله فردا منتجا لا مستهلكا، فردا لا يتلقى المادة المعرفية بشكل سلبي ويخزنها في الذاكرة ليسترجعها بعد ذلك، بل يتعامل معها بشكل إيجابي عن طريق اتخاذ المسافة النقدية الضرورية بينه وبينها حتى يتخلص من أسرها ويستخدمها لصالحه الخاص.

فكيف نجعل الدرس الفلسفي، إذن، درسا في التفكير الذاتي ؟ وكيف بإمكاننا أن نتمكن من ترسيخ تربية تفكيرية لدى المتعلم ؟ وكيف يرتبط كل هذا بالتفكير الذاتي الذي نتوخى من التلميذ أن يجسده في الإنشاء الفلسفي ؟

· التفكير الذاتي كأحد الغايات الأساسية للتعليم الفلسفي في الثانوي التأهيلي

إذا تأملنا المنهاج الجديد لمادة الفلسفة الذي تم التعبير عنه في “التوجيهات التربوية” الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، الصادر في نونبر 2007، فإننا نجده يضع من بين أهدافه الرئيسية جعل التلميذ يتمرس على آليات التفكير الفلسفي من نقد وتحليل ومساءلة، من أجل التحرر من الأحكام المسبقة وممارسة التفكير المستقل في إطار من الشجاعة والجرأة على استخدام العقل. هكذا نجد في التقديم الخاص بهذه التوجيهات، ص3، ما يلي: « هذا المنهاج يضع أمام التلميذ(ة) إمكانية تعلم وممارسة اتخاذ القرار بحرية واختيار، وتعلم التحرر من السذاجة الفكرية والعاطفية ومن الأحكام والآراء المسبقة والتعصب، والانعتاق من حجة السلطة، ومن سلبية التلقي … ويعني ذلك أيضا تعلم الشجاعة في استخدام العقل وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج … ». كما تضمن الإطار النظري الخاص بالمنهاج الجديد الذي عبرت عنه هذه “التوجيهات” التأكيد على مبدإ أساسي من مبادئ تعليم الفلسفة، في السلك التأهيلي من التعليم الثانوي، ويتمثل في « تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل و …التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والمعلومات …) » (ص5). وفي سياق الحديث عن مبدأ التدرج بين المستويات الثلاثة، الجذوع المشتركة والسنتين الأولى والثانية باكلوريا، تم التأكيد على أن السنة الأولى هي سنة التعرف على الفلسفة بينما السنة الثانية هي سنة التمرس على آليات التفكير الفلسفي بالارتكاز على تحليل النصوص أساسا، في حين يكون التلاميذ مطالبين في السنة الأخيرة ب « ممارسة التفكير الفلسفي المستقل نسبيا انطلاقا من مفاهيم وقضايا فلسفية … وموارد مساعدة على التفكير الفلسفي المستقل، القائم على البناء وتوظيف الكفايات … بصورة مكتملة تتيح بروز الشخصية والقدرات الذاتية للتلاميذ.» (ص6)

انطلاقا من كل هذا، نجد بما لا يدع مجالا للشك أن ترسيخ التفكير الذاتي المستقل هو من الكفايات الاستراتيجية لتدريس مادة الفلسفة، كمادة تسعى إلى جعل التلميذ يرتقي إلى مستوى “الوعي بالذات وتقديرها بشكل إيجابي، والاستقلال في اتخاذ المواقف والمبادرات والتحكم الواعي في الاختيارات والقرارات، والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية”.

من هنا فقد صيغت مقررات الفلسفة، بالتعليم التأهيلي الثانوي، بكيفية تجعلها أبعد عن الدراسات الأكاديمية ذات الطابع النظري المجرد حيث تنسحب الذات مؤقتا لصالح المعطيات النظرية و التاريخية، بل جعلت هذه المقررات لتعكس الاهتمام الذاتي للتلميذ وتربط جسورا من التواصل بين الإشكالات والمعارف الفلسفية من جهة، وميولات التلميذ واهتماماته الذاتية من جهة أخرى. من هنا فقد أولى المنهاج الجديد أولوية بالغة للوضعيات المشكلة التي أصبحت تشكل مدخلات أساسية لولوج فضاء المجزوءة أو المفهوم/الدرس أو المحور، وذلك من أجل الانطلاق من ذات المتعلم نفسه في بناء الإشكالات وتنظيم المعطيات المعرفية، وتحفيزه على الانخراط الواعي من أجل تبنيها كقضايا ملتصقة به وبفضائه اليومي، وبكونها مطروحة عليه قبل أن تكون مطروحة على الفلاسفة.

· لن يحضر التفكير الذاتي في الإنشاء ما لم يتجسد من قبل في الدرس

هكذا فالاشتغال بالوضعيات المشكلة وبتحليل النصوص والوسائل السمعية البصرية، وغيرها من الحوامل الديداكتيكية والوسائل البيداغوجية الضرورية لبناء صرح الدرس الفلسفي، هو اشتغال يؤكد على أن منطلق حضور التفكير الذاتي أثناء الإنشاء الفلسفي هو الدرس الفلسفي نفسه؛ ولذلك لن يكون من الممكن جعل هذا التفكير الذاتي يحضر في الإنشاء ما لم يتجسد من قبل في الدرس.

من هنا يتعين، أثناء عملية تحليل النص داخل الحجرة الدراسية، التركيز على تعليم المهارات أكثر من المعارف والمعلومات، كما يتعين التعامل مع النصوص بشكل وظيفي ، أي في إطار معالجة إشكال ما من إشكالات الدرس.

كما أن على تحليل النص أن يستهدف بالدرجة الأولى إكساب المتعلم مهارات وقدرات الأشكلة والمفهمة والحجاج، من أجل أن يوظفها التلميذ في الإنشاء الفلسفي وفي التعامل مع نصوص أخرى ومع قضايا تعترضه في الحياة ( ربط الفلسفة بالحياة ). فلا يكون المضمون المعرفي هنا هو المستهدف بالدرجة الأولى، بالرغم من أهميته، بل اكتساب مهارات التفكير والتمرن على مجموعة من الآليات والقدرات التفكيرية والعقلية. وهذا ينسجم مع القول البيداغوجي المتداول: ” قليل من المعرفة وكثير من المهارات “.

كما يستهدف تحليل النصوص خلق تفاعل وحوار بين المعلم والمتعلمين من جهة، وبين المتعلمين فيما بينهم من جهة أخرى. مما يشجع التلاميذ على إبداء الرأي واكتساب جرأة في طرح الأفكار، وهو الأمر الذي من شأنه أن يقوي ملكة التفكير الذاتي لديهم؛ هذه الملكة التي ينتظر أن يترجمها المتعلم من خلال قدرته على التساؤل والدهشة والنقد وبناء المفاهيم بالدقة اللازمة، واكتساب القدرة على المحاجة والدفاع عن أفكاره …الخ.

من هنا فتحليل النص لا يخرج عن الهدف المتمثل في تعلم مبادئ ومرتكزات التفكير الفلسفي، وفي مقدمتها القدرة على الأشكلة والمفهمة والمحاجة. وإذا تمكن المتعلم من اكتساب مهارة المحاججة على أفكاره، فإنه ولا شك سيترجمها على مستوى كتابته الإنشائية، مما سيمثل مؤشرا حقيقيا على ممارسته للتفكير الذاتي.

وإذا كان الهدف الرئيسي الذي يرومه الدرس الفلسفي هو تعلم آليات التفكير وأساليبه وتقنياته، وأيضا التمرن على تحليل الخطاب والمنافحة عن الأفكار والمحاججة عليها، فإن ذلك لن يتم عن طريق درس إلقائي إخباري، بل عن طريق درس تفاعلي يراهن على المتعلم كشريك في بناء لبنات الدرس الفلسفي، ويتخذ له كشعار: ” تعلم التفكير قبل تعلم الأفكار “.

من هنا فأريج التفلسف لن ينبعث في الحجرة الدراسية إلا من خلال التفكير الذاتي للمعلم والمتعلمين على السواء، في مختلف القضايا التي فكر فيها الفلاسفة ولكنهم جعلوا إمكانيات التفكير فيها لازالت قائمة ومفتوحة أمام القراء بعد ذلك. وفي هذا السياق يصبح المدرس والمتعلمون قراء ومؤولين للنصوص الفلسفية؛ يغوصون في ثناياها، يستنطقونها، يكشفون عن منطق التفكير فيها، ينتقدونها ويبينون حدودها، ويفكرون فيها من جديد انطلاقا من بيئتهم الثقافية وهموم عصرهم.

انطلاقا من هنا، فالتفكير الذاتي للمتعلمين يرتسم منذ اللحظة التي يتم فيها طرح الإشكال في بداية محور الدرس؛ حيث يكون عليهم الإجابة عنه بشكل شخصي، باعتباره مطروحا عليهم قبل أن يطرح على الفلاسفة. ومثل هذا التفكير الذاتي الأولي في الإشكال الفلسفي المطروح، هو الذي يتيح الفرصة لربط الإشكالات الفلسفية بحياة المتعلمين وجعلهم ينخرطون فيها بشكل عميق وكلي، وبنوع من التلقائية التي تجعل تفكير جماعة الفصل في المشكل الفلسفي هو الممر الذي يتم من خلاله لاحقا الانتقال إلى الأطروحات الفلسفية. ويكون تقديم هذه الأخيرة مناسبة لتعزيز التفكير الذاتي وتدعيمه، وليست أداة لإقصائه والتعتيم عليه. فنحن حينما نعالج إشكالات من قبيل هوية الشخص أو قيمته أو حريته، أو نتدارس معرفة الغير أو العلاقة معه، أو ننظر في قضية معرفية أو أخلاقية أو سياسية، فإنما نفعل ذلك باعتبارها تلتصق بوجودنا الشخصي وتلامس واقعنا المعيشي، قبل أن تكون مطروحة على الفلاسفة ومدار نقاش بينهم. ومن شأن مثل هذا الاقتحام الذاتي لعالم التفلسف، أن يورط المتعلمين في المشاكل الفلسفية ويقنعهم بجدواها، ويربط جسورا من التلاقي بينهم وبين الفلاسفة ليفكرون معهم، وفي آن واحد، في نفس الهموم والقضايا.

وهذا الضرب من التعامل مع إشكالات الدرس، من شأنه أن يلقي بتأثيراته على الكيفية التي سيعالج بها التلميذ الإشكال المطروح عليه في الإنشاء الفلسفي؛ إذ سيتعود على مناقشته من منطلق شخصي أولا، قبل أن يستثمر المواقف الفلسفية في رسم المسار الذاتي للمناقشة والوصول به إلى حدوده القصوى.

وقد علمتنا تجربة الفصل الدراسي، أن المتعلم غالبا ما يتوهم اكتساب منهجية الكتابة الإنشائية الفلسفية، والتي يلعب التفكير الشخصي دورا رئيسيا فيها، انطلاقا من حصة زمنية دراسية تقدم له فيها الخطوات الرئيسية لهذه المنهجية، فيتلقفها فرحا ويمضي مطمئنا ومعتقدا أنه أصبح مؤهلا لخوض مباراة الوضعية الاختبارية وهو مسلح بلياقة عقلية قوية وقدرات منهجية كافية، إلا أنه ما يلبث المسكين أن يفاجأ بأن رهان تطبيق المنهجية هو أكبر من مجرد حفظ عناصرها واستظهار بنودها وقواعدها، ولو على ظهر قلب، بل إنه رهان يتوقف على الرصيد العملي والكم التطبيقي المتعلق بالممارسة والاشتغال الفعلي على مواضيع متعددة ومتنوعة وطيلة مشوار السنة الدراسية، هذا فضلا عن القدرات اللغوية والإمكانيات المعرفية المتوفرة عند المتعلم سابقا.

وإذا كان اكتساب آليات الكتابة الفلسفية يتطلب الممارسة الفعلية والدائمة لمثل هذه الآليات، فإن المدرس مطالب بأن يجعل من فضاء الفصل الدراسي مجالا حقيقيا للقيام بمثل هذه الممارسة. وإذا كنا نؤكد على الأطروحة القائلة بحضور التفكير الذاتي في كل أجزاء الإنشاء الفلسفي وليس في خاتمته فقط، فإننا نؤكد بالمثل أنه يلزم أن يحضر هذا التفكير، وبكل مقوماته العقلية والمنهجية، في كل أجزاء الدرس وعناصره.

وإذا تبين أن تحليل النص الفلسفي، أثناء إنجاز الدرس، يمكن من إتاحة الفرصة للمتعلمين وللمعلم على حد سواء من أجل ممارسة التفكير الذاتي، فإن هناك جوانب أخرى في هذا الدرس تسمح بإتاحة مثل هذه الفرصة، ومن أهمها حضور الأمثلة في هذا الدرس، لما تتيحه من إمكانية استحضار حياة المتعلمين أثناء معالجة قضايا وإشكالات التفكير الفلسفي، و الحضور اللافت للوضعيات المشكلة في مختلف مراحل هذا الدرس بما تلعبه من دور يتجلى في جعل المتعلم يدرك أن الإشكالات الفلسفية هي إشكالات تهمه شخصيا، وأنه مطالب بأن يفكر فيها ذاتيا.

هكذا تجعل الأمثلة المقدمة للتلاميذ، والمقدمة من طرفهم، من الدرس الفلسفي درسا مفعما بالحياة، كما تؤهله لكي يغدو أغورا لإبداء الرأي والاعتراض على الأفكار والمنافحة عليها بكل جرأة وشجاعة. وكل هذه ولا شك، أشكال ومظاهر جلية على ممارسة التفكير الذاتي وحضوره القوي في الدرس الفلسفي، مما سيجعل من ذلك خطوة هامة لاستحضاره وإنجازه لاحقا أثناء الكتابة الإنشائية الفلسفية.

وفضلا عن الدور الذي تلعبه الأمثلة في ربط الأفكار الفلسفية بالحياة، ومد جسور من التواصل بين الفلاسفة والمتعلمين، فإنها مؤشر حقيقي على حصول الفهم؛ من قبل المدرس أولا، إذ لا إفهام بدون فهم، ومن قبل المتعلمين ثانيا، إذ تؤشر أيضا على تمثلهم لتلك الأفكار واستيعابهم لها، فضلا عن مدى قدرتهم على استعمالها في وضعيات حياتية جديدة ومغايرة. كما تجعل الأمثلة الدرس الفلسفي مفعما بالحياة، وتنزع عنه تلك الغرابة التي طالما وسمها الكثيرون به. وحينما يغدو الدرس الفلسفي حيا، فإن ذلك يعني تسرب ذوات المتعلمين إلى كل مواده ومكوناته، وقدرتها على تنضيدها ونسج عناصرها بما يجعلها مكتسبة لخصوصيتها وتفردها؛ ولعل هذا ما يسمح بالإبداع الدائم والمتجدد للدرس الفلسفي، ويجعله يتخذ عدة مظاهر وتلوينات بحسب المخزون الديداكتيكي والمؤهلات المعرفية لكل مدرس من جهة، وبحسب التركيبة التلاميذية – من حيث نجابتها الذهنية ورصيدها الثقافي - لكل قسم أو مستوى دراسي من جهة أخرى.

أما عن دور الوضعية المشكلة في تنمية القدرة على التفكير الذاتي، فإن هذا أمر لا يحتاج كثيرا من التوضيح؛ إذ أن وضع التلاميذ في مشكلات حياتية، يعمل من جهة على استفزازهم وإقحامهم في إشكالات الدرس بكيفية تلقائية وسلسة، كما يعمل من جهة أخرى على ربط الدرس الفلسفي بالحياة. ولذلك فالتلميذ يلمس من خلال الوضعية المشكلة أن قضايا الدرس الفلسفي تهمه بشكل أساسي، وتتجذر في واقعه الحياتي واليومي؛ فيدرك بذلك أهمية الإشكالات التي فكر فيها الفلاسفة، ويتحمس بدوره لاكتشاف عالم التفلسف، باعتباره عالما مفعما بالقضايا والمشكلات التي تلامس ذاته وتجاربه بشكل قوي وعميق.

وما لم يفكر المتعلمون في قضايا التفكير الفلسفي وإشكالاته بشكل ذاتي، أثناء اشتغالهم على الوضعيات المشكلة وتحليلهم للنصوص وإثارتهم لحوارات - بمعية مدرسهم - تستحضر أمثلة من الحياة، فإنهم لن يتمكنوا ممارسة مثل هذا التفكير الذاتي في نسجهم لمواضيعهم الإنشائية. ذلك أن كتابة مقدمة الإنشاء الفلسفي مثلا، بما تتطلبه من خلق مفارقات وإحراجات وتوترات تقود إلى طرح تساؤلات إشكالية، تشبه تماما ما يتم إنجازه أثناء الاشتغال على الوضعية المشكلة في بداية الدرس أو في بداية محور من محاوره. كما أن دور استخدام الأمثلة في الدرس، هو عينه دورها أثناء لحظتي التحليل والمناقشة في الإنشاء الفلسفي؛ إذ يكون المستهدف منها في الحالتين هو إما توضيح الأفكار والدفاع عنها من جهة، أو الاعتراض عليها وتفنيدها من جهة أخرى.

كل هذا وغيره، يجعل الدرس الفلسفي بحق حلبة تدريب حقيقية من شأنها أن تسمح بتأهيل التلاميذ لخوض مباراة الكتابة الإنشائية، في التقويم التكويني أو في النهائي، بكل ثقة واطمئنان.

· التفكير الذاتي يحضر في كل أجزاء الموضوع الإنشائي، وليس في آخره فقط !!

وإذا كان إبراز التلميذ لإمكانياته الذاتية في التفكير هو أمر ضروري في الإنشاء الفلسفي، فإنه أمر لا يتعلق برغبة وجدانية بل هو ضرورة عقلية ناتجة عن أن الإنشاء الفلسفي هو تفكير عقلي ذاتي في إشكالات وقضايا، يتعين على التلميذ أن ينخرط فيها بكليته وأن يحاجج فيها عن أفكاره، ويستخدم الفلاسفة والمواقف لإبراز قدراته الذاتية في التفكير والدفاع عن الأفكار التي يتبناها وينحاز إليها.

وإذا كانت المذكرة 159 قد تحدثت عن مؤشر في التركيب نعتته بالمجهود الشخصي للتلميذ، فإننا نعتبره مؤشرا غير كافي للتأكيد على حضور التفكير الذاتي أو الشخصي للتلميذ في الإنشاء الفلسفي؛ إذ لا يكفي أن يحضر هذا التفكير في آخر الموضوع الإنشائي فقط ، بل لا بد أن يجسده التلميذ في كل لحظاته.

وبالرغم من أن المذكرة 37 عملت بعد ذلك على تعويض عبارة “إبراز المجهود الشخصي للتلميذ” بعبارة “إمكانية تقديم رأي شخصي مدعم” ، فإن هذه العبارة لا تزال في رأينا غير كافية للتأكيد على أشكال حضور التفكير الذاتي في الإنشاء الفلسفي؛ لأنها تتحدث عن إمكانية تقديم التلميذ لرأيه الشخصي في الخاتمة وكأن ما سيقدمه قبل ذلك، في المقدمة والعرض، ليس شخصيا !! ثم إن هذه العبارة الواردة في المذكرة 37 تطرح معضلة حقيقية تتعلق بإمكانية تدعيم التلميذ لموقفه الشخصي في التركيب؛ ألا يصبح التركيب بهذا التدعيم المحتمل عرضا حقيقيا، ويفقد بالتالي ماهيته كتركيب ؟ ألا نخشى في هذه الحالة أن نجد أنفسنا أمام موضوعين منفصلين، أحدهما يعرض فيه التلميذ مواقف الفلاسفة ببرود وحياد سلبي، والآخر يعرض فيه موقفه الشخصي، مما سيؤدي حتما إلى تفكك الموضوع الإنشائي وفقدانه للوحدة العضوية المطلوبة ؟؟

إن التركيب في نظرنا لا يعدو أن يكون تأليفا وتجميعا لعناصر معطاة سلفا، وهو الأمر الذي يعني أن الخلاصة التركيبية لا تعدو أن تكون ترجمة مركزة لتفكير ذاتي أو مجهود شخصي، نجد مقدماته وعناصره الجزئية فيما سبق أن قدمه التلميذ أثناء لحظتي التحليل والمناقشة.

فالتلميذ حينما يقدم المواقف الفلسفية، خلال هاتين اللحظتين الأخيرتين، فهو لا يقدمها لذاتها وإنما لإثبات أو إبطال فكرة ما يتبناها ذاتيا أثناء اشتغاله على عبارات النص أو تفكيكه لمفاهيم القولة أو السؤال، أو أثناء ممارسته لأفعال التحليل والمقارنة والنقد والاستنتاج … الضرورية لبناء الموضوع الإنشائي وتنظيم عناصره من أجل إيصالها إلى غاية ما يسعى نحوها التفكير الشخصي للتلميذ على نحو متدرج ومترابط.

فلا مفر إذن من التعبير عن رأينا، كتلاميذ، أثناء الكتابة الإنشائية الفلسفية، وهو الرأي الذي يحضر في كل أجزاء الموضوع، وليس في آخره كما يعتقد خطأ.

هكذا، يكون على التلميذ أن يبرز تفكيره الذاتي منذ بداية الموضوع الإنشائي؛ حيث يكون عليه أن يجتهد في صياغة تمهيد مناسب لطرح الإشكال، وهو التمهيد الذي لا يمكنه أن يجده في أي ملخص أو درس أو مكان آخر بل عليه أن يبتكره ابتكارا. وسيكون مثل هذا الابتكار مؤشرا ولا شك على الحضور القوي لذات التلميذ أثناء الكتابة. كما يفترض في صياغة الإشكال أن تنم هي الأخرى عن مهارات وقدرات ذاتية، لأن الإشكال لا يكون واضحا بما فيه الكفاية خصوصا في صيغتي النص والقولة.

أما في لحظة التحليل ، فإن التفكير الذاتي للتلميذ يبرز بشكل كبير؛ إذ يتعين عليه أن يصوغ أفكار النص بطريقته الخاصة، ويوضحها من خلال أمثلة ومعلومات من رصيده الشخصي، ويكشف بمجهوده العقلي الذاتي عن المنطق الحجاجي للنص… كما أن عليه، أثناء المناقشة، أن يفكر ذاتيا في أطروحة النص أو القولة وفي الأفكار الواردة فيهما، لكي يوضح مدى قوتها أو ضعفها، ثم يستخدم مواقف فلسفية مناسبة لتعزيز مناقشته للأفكار الفلسفية، وبشكل شخصي مستخدما في ذلك معطيات وأمثلة من واقعه المعيشي ومن رصيده المعرفي، وأيضا استخدام مواقف فلسفية بكثير من الانتقاء وسياسة “لي العنق” حتى يجعل تلك المواقف تمكن من معالجة الموضوع أو القضية أو الإشكال على نحو صادق ودقيق. كما يكون عليه أن يتعامل تعاملا نقديا مع تلك المواقف أو الأطروحات الفلسفية، ويتخذ إزاءها مسافة نقدية كافية لفهمها في سياقها وإطارها الخاص.

أما في الخاتمة، فإن الخلاصة التركيبية التي ستتضمنها لا تعدو أن تكون تتويجا لمسار التفكير الذاتي للتلميذ في الإشكال المطروح والقضايا المرتبطة به. ولذلك، إذا كان يتعين على ذلك المسار أن يكون نابعا من التفكير الذاتي للتلميذ في إشكال الموضوع قيد الدراسة، فإن الخلاصة لا يمكنها أن تكون سوى تتويجا لهذا المسار الذاتي الذي نهجه التلميذ في تعاطيه مع الإشكال.

هكذا فالإنشاء الفلسفي، من أوله إلى آخره، هو مجال لإبراز مهارات عقلية وقدرات تفكيرية يفترض أن التلميذ اكتسبها في درس الفلسفة. ولذلك، فالمؤشر الأساسي على جودة الإنشاء الفلسفي هو حضور التفكير الذاتي للتلميذ فيه. وأي انسحاب لهذه الذات من التفكير في الموضوع، هو علامة على رداءته. وهذا يعني أن الفلسفة تحثنا دوما على الاستقلالية في التفكير، والخروج من الوصاية، وممارسة التفكير الذاتي في كل القضايا والإشكالات المطروحة؛ لأنها قبل أن تكون مطروحة على الفلاسفة فهي مطروحة على عقولنا كتلاميذ.

فلا يتعين علينا أن نقف كمتفرجين على حلبة الصراع الدائر بين الفلاسفة، بل يجب أن ندخل معهم ومن خلالهم في ذات الصراع، فنجرب حلاوته مباشرة ونكتوي بنيران معاناتهم كما اكتووا بها، ونقف عن كثب على صعوبات التفلسف وإعمال العقل في مختلف القضايا المطروحة على الإنسان ككائن ناطق.

وعليه، فإن إبراز قدرات الأشكلة والمفهمة والحجاج، وإظهار مهارات التحليل والمناقشة والتركيب وغيرها من العمليات الفكرية الضرورية لأية كتابة فلسفية، لا يمكنه أن يجد منطلقه إلا من ذات التلميذ كذات قارئة وناقدة ومتأملة، وهو ما يؤشر بقوة على ضرورة مطلب التفكير الذاتي في أية كتابة فلسفية

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.