Generic Viagra generic viagra europe
طبيعة المعرفة عند دفيد هيوم 2 نظرية المعرفة عند كانط 2
فبراير 24

يسعدني أن أقدم لقراء المنتدى الأعزاء تلخيصا لكتاب زكريا إبراهيم: ” كانط أو الفلسفة النقدية “، وفيه يقدم نظرية كانط في المعرفة التي تحتل مكانة هامة في تاريخ الفلسفة، ولا غنى لأي دارس للفلسفة من أن ينهل من ينابيعها.


نظرية المعرفة عند كانط

1

من المعروف أن كانط صاحب مشروع نقدي يرتكز على ثلاثة أسئلة رئيسية:

- ما الذي يمكنني أن أعرفه؟

- ما الذي ينبغي لي أن أعمله؟

- ما الذي أستطيع أن آمله؟

وواضح أن السؤال الأول يتعلق بمشكلة المعرفة، بينما يتعلق السؤال الثاني بالمشكلة الخلقية، في حين يتعلق السؤال الثالث بالمشكلة الدينية. وتخص المشكلة الأولى العقل النظري، بينما تخص المشكلة الثانية العقل العملي، في حين تخص الثالثة النظري والعملي معا.

ولم يشر كانط إلى المشكلة الجمالية، التي لم يكن قد اكتشفها بعد، والتي سيتناولها في كتابه النقدي الأخير “نقد ملكة الحكم”.

وإذا كان ديكارت قد بدأ بالشك من أجل الوصول إلى المعرفة الصحيحة، فإن كانط لم يبدأ بالشك المطلق، فهناك علمين قائمين لا يمكن الشك فيهما وهما العلم الرياضي والعلم الطبيعي.

وقد اختلف كانط مع ديكارت في حديث هذا الأخير عن وجود أفكار فطرية في العقل. فما يوجد في العقل هو فقط مجموعة من المبادئ القبلية التي هي بمثابة شروط ضرورية قائمة في الفهم، وعن طريقها يعمل هذا الأخير على تنظيم المعطيات الحسية ويركب منها معرفة.

هكذا يرى كانط أن هناك مصدران للمعرفة البشرية، وهما الحساسية والفهم. فالحساسية تمدنا بالموضوعات في حين يعمل الفهم على تعقل تلك الموضوعات. وحينما يتحدث كانط عن الحساسية، فهو يميز فيها بين صورة الحدوس الحسية ومادتها؛ فالمادة هي موضوع الإدراك الحسي، في حين أن الصورة هي المبدأ الباطن في الذات العارفة، والذي يمكنها من تنظيم مضمون الظاهرة. فالمادة تصدر عن الموضوع المتغير الحادث، في حين تصدر الصورة عن الذات التي تمنح للمادة صفة الكلية والضرورية.

وتتكون الحساسية من صورتين أوليتين هما المكان والزمان؛ فلا نستطيع إدراك الأشياء إلا وهي متحيزة في المكان ومتعاقبة في الزمان. والمكان هو صورة الحس الخارجي، في حين أن الزمان هو صورة الحس الباطني.

ويرى كانط انه ليس للمكان والزمان أي وجود واقعي في العالم الخارجي. وهو يقدم من أجل البرهنة على ذلك خمس حجج يمكن تقديمها كما يلي:

* الحجة الأولى: تتمثل في أننا لا نستطيع تصور الأشياء متحيزة خارجة عنا، ومتجاورة أو قائمة في أماكن مختلفة، إلا إذا كانت لنا فكرة سابقة على المكان. كما لا يمكننا تصور الأشياء متعاقبة يتلو بعضها البعض الآخر إلا إذا كان لنا تمثل سابق للزمان. فالمكان والزمان إذن هما دعامتان قبليتان سابقتان على التجربة.

* الحجة الثانية: تتمثل في أننا لا نستطيع تصور عدم وجود مكان أصلا، وإن كنا نستطيع تصور مكان خلو من أية موضوعات. وبالمثل فنحن لا نستطيع تصور الظواهر خارجة عن إطار الزمان وغير متصلة به، ولكننا مع ذلك يمكن ان نتصور زمانا خلوا من الظواهر.

* الحجة الثالثة: تتمثل في أنه لا يمكننا تصور أمكنة وأزمنة عديدة دون أن يكون هناك “مكان واحد” و”زمان واحد” خلف كل هذه التصورات عن تلك الأمكنة والأزمنة الجزئية.

* الحجة الرابعة: تتمثل في أن التجربة لا تقدم لنا سوى مقادير متناهية عن المكان والزمان، في حين أننا نتصور المكان والزمان غير متناهيين، فيلزم عن ذلك أنهما غير مستمدين من التجربة، بل هما إطارين حدسيين قبليين.

* الحجة الخامسة: تتمثل في أنه لو كان المكان والزمان مجرد مفهومين قبليين لاحقين على التجربة الخارجية، لانتفت صفة الضرورة عن المبادئ الرياضية، ولكانت مجرد ظواهر عرضية.

انطلاقا من هنا رأى كانط أن المكان والزمان، كإطاران حدسيان قبليان، هما اللذان تقيم الرياضيات الخالصة كل معارفها وأحكامها عليهما. هكذا فالهندسة تستند إلى حدس المكان، في حين يستند الحساب على حدس الزمان. فالهندسة هي علم المكان، في حين أن الحساب هو علم الزمان، مادام مفهوم العدد إنما يتكون من الإضافة المتعاقبة للوحدات في الزمان.

هكذا يجعل كانط علم الرياضيات علما ممكنا، لأنه يستند على صورتي المكان والزمان، مما يجعل أحكامه قبلية تركيبية.

ومثلما تساءل كانط كيف تكون الرياضيات الخالصة ممكنة، فقد تساءل أيضا كيف تكون الفيزياء الخالصة ممكنة. وقد كان هدفه هو أن يبين كيف تكون الأحكام المتعلقة بالطبيعة أحكاما قبلية تركيبية. ولتحقيق هذا الهدف، كان على كانط أن يبين الكيفية التي يعمل الفهم من خلالها على تركيب مدركات الحساسية لكي يكون منها أحكاما كلية ضرورية.

هكذا فالمعرفة العلمية الصحيحة، لا بد أن تتصف بالواقعية من جهة، والضرورة من جهة أخرى. والذي يمنحها صفة الواقعية هي الحساسية، بينما يمنحها الفهم صفة الضرورة. ولكي يتصف العلم بهاتين الصفتين، لا بد أن تكون أحكامه تركيبية وقبلية في نفس الوقت. فالقضايا الرياضية الحقة هي دائما أحكام تركيبية قبلية؛ ومثال ذلك القضية الرياضية التي تقول: ” الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين”، فنحن هنا أمام قضية تركيبية لأن محمولها “أقرب مسافة” لا يتضمن في موضوعها الذي هو “المستقيم”؛ فلا يمكن انطلاقا من التحليل العقلي الصرف أن نستخلص فكرة “المسافة القصيرة” من فكرة “الخط المستقيم”. ولكن مع ذلك فهذه القضية قبلية لأن العلاقة بين موضوعها ومحمولها علاقة ضرورية كلية، فلا يمكن إنكار صحتها دون الوقوع في تناقض.

وإذا كانت هذه القضية تتعلق بالهندسة، فيمكن أن نقدم قضية تتعلق بالحساب؛ فالحكم مثلا بأن 7+5=12 هو حكم تركيبي لأن محموله يزيد شيئا جديدا على موضوعه؛ ففكرة العدد 12 لا تتضمن في أي من العددين 7 و5؛ فمن الممكن أن نتصور كل منهما على حدة دون أن نتصور العدد 12 الذي يشتمل عليهما معا. لكن مع ذلك فهذا الحكم ضروري وقبلي، إذ لا يمكن إنكاره دون الوقوع في التناقض.

أما إذا شئنا أن نقدم مثالا في مجال الفيزياء أو العلم الطبيعي، فيمكن أن نقدم القضية القائلة بأن “كمية المادة-في كل تغيرات العالم المادي- تظل كما هي دون أدنى تغيير”، فهي قضية ضرورية قبلية، ولكنها في نفس الوقت تركيبية. فمحمول هذه القضية “تظل كما هي” غير متضمن بالضرورة في موضوعها “كمية المادة”؛ فنحن ندرك المادة في المكان دون أن نتصور بالضرورة على أن كميتها تبقى ثابتة. فنحن إذن أمام حكم تركيبي يضيف إلى معلوماتنا شيئا جديدا، لكنه في نفس الوقت حكما ضروريا، كليا وقبليا، لأننا لا يمكن أن ننكره دون أن نسقط في التناقض.

وإذا كانت أحكام العلم تركيبية قبلية، فإن لها مصدرين رئيسيين هما الحساسية والفهم. فالحساسية هي التي تمدنا بمادة المعرفة نظرا لارتباطها المباشر بالعالم الخارجي، في حين يمدنا الفهم بصورة المعرفة ويجعل موضوعات الحساسية قابلة للتعقل. من هنا فالمعرفة هي نتاج تضافر وتكامل بين كل من الحساسية والفهم. وهذا ما تعبر عنه عبارة كانط: ” إن المفاهيم بدون حدوس حسية جوفاء، كما أن الحدوس الحسية بدون مفاهيم عمياء”.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.