Generic Viagra generic viagra europe
نظرية المعرفة عند كانط 2 أقوال لهيراقليطس
فبراير 24

نواصل رحلتنا مع كانط في نظريته للمعرفة، من خلال كتاب زكريا إبراهيم “كانط أو الفلسفة النقدية”، وسنقدم الآن تصور كانط لمبادئ الفهم الخالص التي تجعل أية معرفة بالواقع ممكنة. كما سنقدم للتفرقة التي يقيمها كانط بين الظواهر (الفينومينات) والأشياء في ذاتها (النومينات).


طبيعة المعرفة عند كانط 3

مبادئ الفهم الخالص// الفينومين والنومين


لقد أحدث كانط ثورة كوبرنيكية في مجال نظرية المعرفة، حيث جعل الواقع يدور في فلك الفكر بعدما كان الفكر في السابق يدور في فلك الواقع. ويتجلى ذلك في حديث كانط عن مجموعة من المقولات والمبادئ القبلية التي يحتوي عليها الفهم وهي التي تجعل أية معرفة بالواقع الطبيعي ممكنة.

هكذا فالفكر عند كانط هو الذي يملي قوانينه العامة، وبشكل قبلي، على الطبيعة. ويتم ذلك من خلال مجموعة من القضايا الأولية المطلقة التي تمكن من استنباط مبادئ العلم الطبيعي الخالص استنباطا أوليا، والتي يسميها كانط باسم مبادئ الفهم الخالص.

وإذا كان كانط – كما بينا ذلك سابقا- قد وضع قائمة بمقولات الفهم، ترتد إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي مقولات الكم والكيف والإضافة والجهة، فهو يضع بجانب هذه المقولات قائمة جديدة تتعلق بمبادئ الفهم الخالص، وهو يسميها على التوالي بالأسماء التالية:

1- بديهيات الحدس : وهي تقابل مقولة الكم.

2- استباقات الإدراك الحسي : وهي تقابل مقولة الكيف.

3- قواعد ( نظائر ) التجربة : وهي تقابل مقولة الإضافة.

4- مصادرات الفكر الاختباري : وهي تقابل مقولة الجهة.

ونظرا لأن المبدأين الأولين يمتلكان يقينا حدسيا مباشرا، فقد سماهما كانط باسم المبادئ الرياضية. أما المبدآن الآخران فقد سماهما باسم المبادئ الديناميكية، لأن اليقين فيهما هو في نظره يقين استدلالي غير مباشر.

وبالنسبة ” لبديهيات الحدس ” فهي تستند إلى المبدأ التالي: ” كل الحدوس هي كميات ممتدة “. ومعنى ذلك أنه لا يمكن مثلا أن نتصور أي خط ما لم نرسمه ذهنيا، أي ما لم نرسم ذهنيا كل أجزائه على التعاقب، لأن هذا التصور السابق للأجزاء هو الذي يجعل من الممكن تصور الكل، فنحن هنا بإزاء كميات ممتدة.

وأما بالنسبة ” لاستباقات الإدراك الحسي ” فهي تستند إلى المبدأ التالي: ” لا بد من أن يكون للشيء الواقعي درجة ما، أو قدر ما من الشدة “.

ويرى كانط أن هذين المبدأين هما اللذان يجعلان علم الرياضيات ممكنا.

أما بالنسبة ” لقواعد ( نظائر ) التجربة ” فهي تستند إلى المبدأ الذي يقول: ” إن التجربة لا تكون ممكنة إلا بفضل الترابط الضروري للإدراكات الحسية “. وهذا المبدأ واضح عند كانط؛ إذ لابد للإدراكات الحسية المبعثرة أن تنتظم ضمن مقولات الفهم ومبادئه لكي تصبح معرفة كلية وضرورية.

ويتحدث كانط عن ثلاثة مبادئ تنظم التجربة؛ مبدأ الجوهر الذي يقرر أن ” الجوهر باق في تعاقب الظواهر، وأن كميته لا تزيد ولا تنقص في الطبيعة “، ومبدأ العلية الذي يقرر أن ” جميع التغيرات إنما تحدث وفقا لقانون ترابط العلة والمعلول “، ثم مبدأ التفاعل الذي ينص على أن ” جميع الظواهر – من حيث يمكن أن تدرك متزامنة في المكان – هي في تفاعل كلي “.

وفيما يخص ” مصادرات (مسلمات) الفكر الاختباري ” ، فيحددها كانط في ثلاث مسلمات تقابل على التوالي مقولات الجهة الثلاث؛ الإمكان والوجود (أو الواقعية) والضرورة:

المسلمة الأولى تقرر أن ” كل ما يتفق مع الشروط الصورية للتجربة (الحدس والمقولات) فهو ممكن”.

والمسلمة الثانية تقرر أن ” كل ما يتفق مع الشروط المادية للتجربة فهو واقعي “.

أما المسلمة الثالثة فهي تقرر أن ” كل ما يتحدد توافقه مع الوجود الواقعي وفقا للشروط العامة للتجربة فهو لا بد من أن يوجد ضرورة “.

هكذا جعل كانط المعرفة المتعلقة بالعالم الطبيعي مرتبطة بمبادئ الفكر ومقولاته القبلية؛ فأحدث ثورة كوبرنيكية في مجال الفكر، بأن جعل الأشياء تدور في فلك العقل وليس العكس.

لقد رأينا مع كانط كيف أن المعرفة الصحيحة ترتبط بصور الحساسية من جهة، ومقولات الفهم ومبادئه من جهة أخرى، ولذلك فما يمكننا معرفته هو فقط “الظواهر” وليس “الأشياء في ذاتها”. هكذا فنحن لا نعرف عن الأشياء إلا ما يبدو لنا منها، عن طريق ما نمتلكه في فكرنا من صور ومقولات قبلية، أما طبيعتها الأصلية فنحن لا نعرف عنها ولا يمكن ان نعرف عنها أي شيء. وهذا يعني أن إمكانيات العقل محدودة؛ فلا يمكنه أن يعرف إلا الظواهر (الفينومينات) أما الأشياء في ذاتها (النومينات) فلا يمكنه أن يعرف عنها شيئا، وإذا حاول ذلك سيسقط لا محالة في الأغاليط والتناقضات.

وإذا كان كانط يقر بمحدودية العقل ويجعله غير قادر على معرفة الأشياء في ذاتها، فهو مع ذلك لا ينكر إمكانية وجودها بل يقول فقط بأن إمكانيات العقل البشري لا تسمح له بتحصيل معرفة علمية بالشيء في ذاته.

وقد قدم كانط ثلاثة أسباب لتبرير القول بالشيء في ذاته:

- أولها أن طريقة العقل البشري في المعرفة، والتي تستند إلى صور الحساسية والفهم، ليست هي الطريقة الوحيدة للمعرفة. ولذلك يجب التسليم بوجود الشيء في ذاته، وأن عدم قدرتنا على إدراكه ناتج عن طبيعتنا المحدودة في المعرفة.

- و ثانيها أن معرفتنا تستلزم مادة أو مضمونا تقدمه لنا الإحساسات، ولذلك لا بد أن نفترض وجود أشياء أخرى غير الموجودات المفكرة، تكون هي مصدر الإدراكات الحسية التي تستلزمها كل معرفة.

- أما ثالث تلك الأسباب فيتعلق بوقوع العقل البشري في التناقض حينما يسمح لنفسه بتجاوز حدود التجربة، و لحل هذا التناقض يستلزم الأمر ضرورة التمييز بين “الظواهر” التي يمكن للعقل تحصيل معرفة يقينية بها، و”الأشياء في ذاتها” التي لا يمكنه إنتاج أية معرفة يقينية بصددها، ولكننا مع ذلك نقر بوجودها.

هكذا وبالرغم من تأكيد كانط على عجز العقل البشري على البرهنة على وجود موضوعات الميتافيزيقا ( الله، العالم والنفس )، فهو لم يقل بأن بإمكان العقل البرهنة على عدم وجود هذه الموضوعات. وبذلك سمح كانط للميتافيزيقا بمكان في نسقه الفلسفي.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.