Generic Viagra generic viagra europe
أقدم لك عزيزي التلميذ: مشكلة الوعي أقدم لك عزيزي التلميذ: الرغبة ماهية الإنسان
أكتوبر 31

الوعي والإيديولوجيا


إذا كان الإنسان يعبر من خلال الوعي عن ذاته وعن العالم المحيط به، فهل بإمكان الوعي أن يمنحنا صورة حقيقية عن ذواتنا وواقعنا؟ ألا تتدخل الإيديولوجيا والوهم في تزييف الوعي وقلب صورة الواقع؟ وهل كل ما يقدمه لنا العقل حقيقي؟ ألا يمكن أن تحيط به مجموعة من الأوهام؟ وما هي أهمها؟

يمكن في هذا الإطار أن نقدم موقف فرنسيس بيكون، الذي يرى أن العقل لا يقدم لنا دائما صورة حقيقية عن الواقع وعن أنفسنا، فهو غالبا ما يكون محاطا بكثير من الأوهام، اختصرها بيكون في أربعة أنواع يمكن تحديد خصائصها كما يلي:

* أوهام القبيلة:

- عامة ومشتركة بين كل الناس.

- ملازمة ومتأصلة في الطبيعة البشرية.

- مرتبطة بالعقل البشري الذي يشوه خصائص الأشياء و يغير من شكلها.

* أوهام الكهف:

- ذاتية وخاصة بكل فرد.

- ناتجة عن تجارب الفرد، وقراءاته، وارتباطه بشخصيات نموذجية.

* أوهام السوق:

- خاصة بجماعة بشرية ما.

- تنشأ عن العلاقات التجارية بين الناس.

- ناتجة عن تجمع الناس وتواصلهم بواسطة اللغة كمنشإ للأوهام.

* أوهام المسرح:

- ترتبط بالمعتقدات والمذاهب الفلسفية.

- ناتجة عن قواعد الاستدلال التي يساء استعمالها.

وقد شبه فرنسيس بيكون الأوهام العامة بأوهام القبيلة لأنها تتعلق بالجنس البشري ككل، وشبه الأوهام الذاتية بأوهام الكهف لأن داخل ذات كل فرد يوجد عالم غامض وعميق (اللاوعي) شبيه بظلام الكهف. كما شبه أوهام الجماعة بالسوق لأنها تتعلق بالتجارة وبتواصل الناس بواسطة اللغة، وشبه الأوهام المذهبية بالمسرح نظرا لأن كل مذهب له طقوسه ومشاهده، وأدوار موزعة داخله شبيهة بما يحدث على خشبة المسرح.

وقد شبه بيكون العقل البشري بالمرايا المتراتبة، لأن كلا منهما يقدم صورة مشوهة عن الواقع ويغير من شكل الأشياء. كما شبه المذاهب الفلسفية بالمسرحيات، لأن كلا منهما تخلق في الذهن عوالم وهمية.

كما يعبر العقل أيضا عن أوهامه من خلال الإيديولوجيا، التي تمارس وظائفها حسب بول ريكور من خلال ثلاث آليات :

أ- تشويه الواقع:

حيث تعمل الإيديولوجيا على إنتاج صورة معكوسة عن الواقع.

ب- تبرير الأوضاع القائمة:

حيث تعمل الطبقة المسيطرة على إعطاء مبررات لأفكارها، و إضفاء المشروعية على مخططاتها و مشاريعها.

ج- إدماج الأفراد في هوية الجماعة:

حيث يتم الإحتفال بالأحداث المؤسسة لهذه الهوية و محاولة ترسيخها لدى الأفراد، و تكوين بنية رمزية للذاكرة الجماعية .

وقد اعتبر بول ريكور أن وظيفة الإدماج هي آلية أعمق و أشمل من الوظائف الأخرى؛ لأن وظيفة الإدماج تتضمن في طيّاتها وظيفة التبرير؛ ذلك أنه لكي تدمج الأفراد في إيديولوجيا معينة يجب بالضرورة أن تقدم لهم تبريرات تسهل عملية إدماجهم، أما إنتاج الوهم فهو ناتج عن فساد يصيب عملية التبرير، أي أن التبرير حينما لا يكون معقولا يلتجأ إلى الأوهام و الأساطير التي تقدم لنا صورة معكوسة عن الواقع الحقيقي .

هكذا فالإيديولوجيا هي نسق من الأفكار و التمثلات التي تحملها جماعة ما حول العالم، و التي لا تعكس موضوعيا الشروط الواقعية لحياة الناس . كما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة تبرير ما يجري على أرض الواقع من سياسة متبعة، وهي بذلك تعمل على فرض نظام سياسي شمولي يعبر عن سلطة كليانية للدولة، تفرض مشاريعها بالقوة وعن طريق زرع الرعب في أفراد الجماعة .

و حينما تقوم الإيديولوجيا بوظيفة الإدماج، فإن الهدف الأساسي من ذلك هو تشكيل هوية خاصة بالجماعة، و جعل الأفراد ينخرطون داخلها و يستبطنون مقوماتها الأساسية، ويتم ذلك من خلال إشراكهم في إحياء الأحداث المؤسسة للهوية الجماعية و تخليد ذاكرتها .

وقد استشهد بول ريكور بالفيلسوف الألماني ” كارل ماركس “ الذي استخدم الإيديولوجيا بمعنى إنتاج صورة معكوسة عن الواقع .كما اعتبر الإيديولوجيا بمثابة العلبة السوداء، ذلك بأن الإيديولوجيا تقوم بقلب الواقع مثلما تقوم العلبة السوداء بقلب أشياء الواقع في عملية التصوير الفوتوغرافي .

وهو ما جعله يخرج باستنتاج، مفاده أن الإيديولوجيا هي تصورات عقلية و فكرية لا تعكس حقيقة الناس الواقعية.

ولتوضيح الوظائف الثلاث للإيديووجيا، قدم لنا ريكور أمثلة من الواقع الاجتماعي والتاريخي. هكذا فقد لنا مثالا من التجربة و الواقع هو مثال ” السلطة الكليانية ” كنظام سياسي تتجلى فيه الوظيفة التبريرية للإيديولوجيا. كما قدم لنا مثال ” الإحتفال بإحياء الأحداث التاريخية و السياسية لجماعة ما “، وذلك من أجل توضيح االوظيفة الإدماجية للإيديولوجيا.

وقد اعتبر بول ريكور بأن و ظيفة الإدماج هي أهم وظيفة تقوم بها الإيديولوجيا، لأنها تتضمن في طياتها الوظيفتين السابقتين.

وفي سياق الحديث عن علاقة الوعي بالواقع الاجتماعي، اعتبر كارل ماركس أن هناك علاقة وطيدة بين الوعي كأفكار وتمثلات وإيديولوجية من جهة، والحياة المادية الاجتماعية من جهة أخرى. ويذهب إلى أن الحياة المادية هي التي تحدد الوعي وليس العكس. غير أن الإيديولوجية في نظره تقلب الواقع ولا تقدم صورة حقيقية عنه.

من هنا رأى ماركس أن الوعي ليس هو الذي يحدد الوجود الاجتماعي بل إن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. وهذا ما يجعل أن كل أشكال الوعي من أفكار و تمثلاث دينية وأخلاقية و ميتافيزيقاهي تجلي وانعكاس للحياة المادية.

و يبرز ماركس أن العلاقة بين الوعي والسلوك المادي تشبه العلاقة بين الإنتاجات الفكرية، سواء كانت قانونية أو أخلاقية أو دينية أو غيرها، والسلوك المادي للبشر؛ إذ يعتبر هذا الأخير هو المحدد سواء لأشكال الوعي المختلفة أو للإنتاجات الفكرية في مجالات الدين والأخلاق والقانون

وقدم لنا ماركس مثال الغرفة السوداء لآلة التصوير، لكي يوضح لنا أن الناس يبدون مقلوبين في الإيديولوجيا مثلما أن الأشياء تبدو مقلوبة في الغرفة السوداء لآلة التصوير.

كما قدم لنا مثال شبكية العين لكي يبين لنا أن الواقع الاجتماعي المادي ينعكس على مستوى الأفكار الإيدلولوجية مثلما تنعكس الأشياء على شبكية العين، فالظاهرة الأولى تاريخية وثقافية في حين أن الظاهرة الثانية بيولوجية وطبيعية.

وقد أكد ماركس على أن الثقافة الشعبية بما تخلقه من حكايات و أساطير وأفكار وهمية هي أيضا ناتجة عن الحياة المادية للناس، مثلها في ذلك مثل الأفكار و التمثلات الواعية.

وإذا كانت الإيديولوجيا هي مجموعة من الأفكار و التمثلات التي تعبر عن وعي زائف يقلب الواقع و لا يقدم صورة حقيقية عنه، فهل هي ترتبط بالوعي فقط ؟ ألا يمكن القول أنها تكون أحيانا تعبيرا عن دوافع ومكونات لاواعية؟

في إطار الإجابة عن هذا الإشكال، يرى ألتوسير أن الإيديولوجيا بنية جوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية، وأنها عبارة عن مجموعة من الصور والتمثلات والتخيلات التي تعبر عن معاناة الناس بظروف عيشهم، وتفرض نفسها عليهم كبنيات ووفقا لعمليات يجهلون مدلولها. كما تعبر الإيديولوجيا عن آمال وحنين الناس لمجتمع أفضل. وبذلك فهي لا تعكس الواقع الحقيقي للناس، بل تقدم صورة وهمية عنه.

هكذا انتقد ألتوسير أطروحة ماركس التي تربط الإيديولوجيا بالوعي، واعتبرها على العكس من ذلك صورا وموضوعات ثقافية تفرض نفسها على الناس كبنيات لاواعية. والإيديولوجيا في نظره لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تأويلات وقراءات فكرية تصور عالما ممكنا ووهميا أكثر مما تصف واقعا فعليا وحقيقيا.

إن الإيديولوجيا حسب ألتوسير هي عبارة عن صور وخيالات تعبر عن علاقة الناس بعالمهم، وهي في الغالب تقدم صورة وهمية عن الواقع الحقيقي للناس. وهذا ما يجعل العلاقة بين الإيديولوجيا والواقع علاقة لاواعية في جوهرها، فهي علاقة مركبة أو علاقة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات فكرية عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي.

ويعترض ألتوسير على التصور الذي يرى أن الإيديولوجيا زائدة وعرضية في التاريخ، ويعتبر على العكس من ذلك بأنها متجذرة وجوهرية في تاريخ المجتمعات البشرية.

كما يدحض ألتوسير أطروحة ماركس التي تقول إن الإيديولوجيا هي تمثلات واعية وصادرة عن الوعي، ويقول خلافا لذلك إنها في جوهرها عبارة عن صور وخيالات تفرض نفسها على الناس بكيفية لاواعية.

و يستنتج ألتوسير بأن الإيديولوجيا، كصور وخيالات وتمثلات، تعبر عن معاناة الناس وعلاقتهم بظروف عيشهم. فهي علاقة مركبة من الدرجة الثانية؛ ذلك أن الإيديولوجيا لا تعبر عن العلاقة الحقيقية للناس بظروف عيشهم، بل تعبر عن تصورات وتخيلات عن هذه العلاقة. ولذلك فالإيديولوجيا تقدم لنا صورة وهمية خيالية تعبر عن رغبة وطموح الإنسان إلى عالم أفضل أكثر مما تعبر عن واقع حقيقي فعلي.

هكذا يعترض ألتوسير على الأطروحة التي تربط الإيديولوجيا بالوعي فقط ، ويعتبرها سجينة للإشكالية المثالية السابقة على ماركس، والتي هي إشكالية تستحضر فقط الوعي والواقع و تعمل على إقصاء دور اللاوعي في تحديد الأفكار والممارسات البشرية.

وهذا ما جعل ألتوسير يعتبر أن التمثلات الإيديولوجية تفرض نفسها على الناس انطلاقا من عمليات خفية لاواعية، يجهلون مدلولها في الغالب !!

وبالرغم من تأكيد الكثير من العلماء والفلاسفة على دور اللاوعي في تحديد مواقف الإنسان وأفعاله، فإنه يمكن التأكيد مع الفيلسوف الفرنسي إريك فايل (1972-1904) على الدور الذي يلعبه الوعي في إعطاء معنى لوجود الإنسان في هذا العالم؛ حيث أكد فايل على أن الوعي هو أساس وجود الإنسان، و بدون هذا الوعي المؤسس لا يوجد معنى بالكل. كما أن التفكير في المعنى هو من اختصاص الفلسفة وليس من اختصاص العلم .

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.