Generic Viagra generic viagra europe
أقدم لك عزيزي التلميذ: الشغل بين الاستلاب والتحرر حقيقة أم حقائق ؟؟
أكتوبر 31

الإنسان غير قابل للتعريف !


هذه العبارة هي للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، وهي تعبر عن تصوره لماهية الإنسان ولحريته. فالمبدأ العام الذي انطلق منه سارتر هو القول بأن الوجود سابق على الماهية، والمقصود هنا هو وجود الإنسان باعتباره الكائن الوحيد الذي يسبق وجوده ماهيته. ومعنى هذا المبدأ أنه لا يمكن الحديث عن تعريف معين للإنسان قبل وجوده؛ فهو يوجد أولا ثم يحدد نفسه بنفسه فيما بعد، وأثناء وجوده الإنساني وليس قبل ذلك. ويترتب عن ذلك قول سارتر بحرية الإنسان في صنع نفسه واختياره لأفعاله؛ فلا وجود لتعريف نهائي وثابت للإنسان، بل يمكن فقط الحديث عن المشروع الإنساني الذي ينجزه الإنسان بشكل دائم ومستمر، من المهد إلى اللحد، ووفقا لاختياراته وإرادته الحرة.

وفي نفس السياق يذهب سارتر إلى أن الإنسان غير موجود بل الناس فقط هم الموجودون؛ ومعنى ذلك أنه لا يوجد تعريف واحد للإنسان بأل التعريف بل ما يوجد على أرض الواقع هم الناس باختلاف طبائعهم وأفكارهم وأفعالهم …

انطلاقا من هنا يكون الفعل هو المحدد للإنسان؛ فهذا الأخير هو عين ما يفعل، أي أننا نعرفه انطلاقا مما ينجزه من أفعال وما يقوم به من ممارسات في وجوده الإنساني وليس قبل ذلك. ولذلك يمكن الحديث مع سارتر عن كوجيطو جديد : أنا أفعل إذن أنا موجود“.

أو كما يقال : قل لي ماذا صنعت؟ أقل لك من أنت.

لقد رفض سارتر إذن الموقف الميتافيزيقي الذي يتحدث عن وجود طبيعة إنسانية، ويقول بوجود ماهية للإنسان سابقة على وجوده، ورأى فيلسوفنا الوجودي أنه لا يمكن تحديد الإنسان انطلاقا من أية قوالب عقلية مجردة، أو خندقة جميع الناس في قالب ماهوي واحد يشملهم جميعا. ولعل مثل هذا القالب يتمثل مثلا في القول: إن الإنسان حيوان ناطق. صحيح أن مثل هذا التعريف ليس خاطئا من وجهة نظر سارتر، لكنه مع ذلك تعريف لا يقول أي شيء ولا يعرفنا بأي فرد من أفراد بني الإنسان، فهو مجرد تحصيل حاصل ولا يضيف إلى أذهاننا معلومات جديدة. فهذا التعريف الأخير يحدد لنا الإنسان من الزاوية الفطرية التي تسبق الوجود والفعل، ولذلك فهو فعلا تعريف يشترك فيه جميع الناس، لكن بمجرد ما يقذف بالإنسان في الوجود ويشرع في إحداث أثر فيه، ويبدأ في إنجاز مجموعة من السلوكات والإبداعات، فهو يبدأ يختلف عن غيره من الأفراد ويتميز عنهم. ويتسع الفارق كلما طالت مدة الإنجاز وتشعبت، وهذا ينطبق على الشعوب بمثل ما ينطبق على الأفراد. وباتساع الفارق يصبح من المتعذر إعطاء تعريف شامل وواحد يشمل جميع الناس من الناحية الثقافية والوجودية. ولذلك فلكل فرد أو شعب تعريفه الخاص به، أو لنقل ماهيته التي تتجد ويتم صنعها أثناء صنع الإنسان لصيرورته التاريخية.

ولذلك يقول سارتر: «ليس الإنسان شيئا آخر غير ماهو صانع بنفسه». هذه الجملة تلخص النظرة الوجودية إلى الإنسان كما يمثلها سارتر، أي أن الإنسان يصنع ذاته باستمرار وفق ما يختاره لنفسه، ووفقا للصورة المسقبلية التي يضعها نصب عينيه, فالكائن الإنساني هو الكائن الحر بامتياز، فهو الذي يمنح لأوضاعه معنى خاصا انطلاقا من ذاته؛ فليس هناك سوى الذات كمصدر مطلق لإعطاء معنى للعالم.

إن الشخص هو دائما كائن في المستقبل، تتحدد وضعيته الحالية تبعا لما ينوي فعله في المستقبل. فكل منعطف في الحياة هو اختيار يستلزم اختيارات أخرى، وكل هذه الاختيارات نابعة من الإنسان باعتباره ذاتا ووعيا وحرية.

وليس الإنسان حسب هذا المنظور إلا ما يفعل؛ أي أنه لا يمكن معرفة شخصية الإنسان إلا من خلال ما ينجزه وما يقوم به من أفعال أثناء وجوده التاريخي والفعلي، فلا يمكن معرفة الإنسان من خلال قوالب عقلية مجردة، فوجوده لا يتحدد بالتفكير كما زعم ديكارت بل يتحدد بالفعل أو التصرف الذي يصدر عن الذات ويترجم على أرض الواقع، ولهذا يمكن القول مع سارتر بكوجيطو جديد: “أنا أفعل إذن أنا موجود”.

وإذا كان سارتر يقول بحرية الإنسان، فيترتب عن ذلك القول بمسؤوليته. ومسؤولية الإنسان مزدوجة؛ فهو مسؤول عن نفسه ومسؤول أيضا عن الإنسانية ككل. لهذا يرى سارتر أنه لايجب على الإنسان أن يفعل ما يضر بنفسه أو بالإنسانية، فالإنسان الوجودي كما يتخيله سارتر هو إنسان حر لكن حريته مرهونة بالتزامه بالمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية التي يجب عليه تجسيدها في وجوده لكي يقدم صورة مشرقة عن إنسانيته.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.