Generic Viagra generic viagra europe
المحور الثاني: الإنسان كائن ثقافي درس العقل
مارس 03

 

اللغة

تقديم: من الدلالات إلى الإشكالية.

1-         الدلالات:

‌أ)      الدلالة المشتركة:

-      اللغة أداة للتواصل بين أفراد المجتمع

-      اللغة وسيلة من وسائل التعبير عن الفكر

-      اللغة هي فعل الكلام

-      اللغة هي حقيبة أو وعاء يضم مجموعة من الكلمات والحروف، والتي نركب فيما بينها وفقا لقواعد وضوابط لكي ننتج كلاما مفهوما لدى الآخرين…

Éاللغة:       *الفكر/العقل

*الكلام

*التعبير

*التواصل

‌ب)الدلالة المعجمية:

à معجم “لسان العرب” لابن منظور:

É اللغة من لغا يلغو لغوا وهو الكلام غير المفيد

É” اللغة أصوات يعبر بها قوم عن أغراضهم”

· استنتاجات:

- الصوت: اللغة في ارتباطها بالصوت أو الكلام ذات أبعاد عضوية، مادية، فيزيولوجية، عصبية ووراثية…

- التعبير: اللغة وسيلة من بين عدة وسائل يستخدمها الإنسان للتعبير عن الأفكار والأحاسيس (الموسيقى، الرسم، الرموز…)

- قوم: اللغة هي خزان لثقافة وحضارة شعب من الشعوب، ولذلك فإن لها طابعا رمزيا، ثقافيا وحضاريا.

- أغراض: للغة عدة أدوار ووظائف داخل حياة الإنسان والمجتمع.

à في الفرنسية:

لفظة “Langage” مشتقة من “Lingua” اللاتينية التي تعني الكلام واللسان.

- Logos” اليونانية تحمل معاني اللغة، الفكر، العقل والكلام.

· اللغة:      - الكلام

- اللسان

ماهي الفروق الموجودة بين هذه المصطلحات؟

· اللغة:      - الإنسانية ككل

- إنها تلك القدرة الخاصة بالنوع البشري مبدئيا على التكلم والتواصل

· اللسان:     - المجتمع الواحد

- إنه نسق من العلامات الصوتية الخاصة بمجتمع معين، وهو لا يتحقق إلا في شكل مؤسسات اجتماعية

· الكلام       - الفرد الواحد

- إنه يشير إلى قدرة ومهارة كل فرد على استخدام اللغة

É تشكل اللغة مرجعية أساسية للكلام، كما يمنح هذا الأخير اللغة الحياة والتطور والاستمرارية.

‌ج) الدلالتان الفلسفية والعلمية:

معجم “أندري لالاند” A Lalande

à هناك معنيان للغة:

o     معنى خاص: “اللغة هي وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا وخارجيا”

o     معنى عام: “اللغة هي كل نسق من العلامات يمكن أن يتخذ وسيلة للتواصل”

· استنتاجات:

É اللغة الكلامية هي ظاهرة خاصة بالإنسان وحده.

É هناك ارتباط وثيق بين اللغة والفكر بحيث لا يمكن الحديث عن وجود فكر في غياب اللغة سواء كان فكرا داخليا(حديثا مع النفس=منولوج) أو فكرا خارجيا (حديثا مع الآخرين)

É تخضع اللغة لضوابط وقواعد ونظام خاص.

É تتكون اللغة من مجموعة من العلامات، والتي يمكن التمييز فيها بين علامات لغوية أو لسانية وعلامات غير لسانية كالإشارات والرقصات… هذه العلامات التي تستخدم أساسا لتحقيق التواصل سواء بين الناس أو بين الحيوانات فيما بينها.

à معجم لاروس Larousse

اللغة هي قدرة خاصة بالنوع البشري على التواصل بواسطة نسق من العلامات الصوتية.

2-         طرح الإشكالية:

ما الذي يجعل اللغة خاصة بالإنسان وحده.؟

ماهي طبيعة العلاقة بين العلامة اللسانية وما تدل عليه من أشياء الواقع؟

هل هي علاقة طبيعية وضرورية أم أنها علاقة اعتباطية واصطلاحية؟

ماهي طبيعة العلاقة بين اللغة والفكر؟ هل هي علاقة اتصال أم انفصال؟ وبمعنى آخر؛ هل يمكن الحديث عن وجود فكر بدون لغة؟ ثم هل يمكن للغة الإحاطة بكل جوانب الفكر والتعبير عن كل مكوناته؟ و ما هي أهم وظائف اللغة؟

I- اللغة خاصية إنسانية.

à هل للحيوان لغة؟

- نعم للحيوانات أشكال من التواصل فيما بينها

· الدليل:      - دليل ديني: سورة النمل مثلا

- دليل علمي: دراسة فون فريش لأشكال التواصل لدى النحل مثلا

ماهي إذن الخصائص المميزة لأشكال التواصل لدى الحيوان؟

§      أشكال غريزية

§      أشكال ثابتة وغير متطورة

§      أشكال مرتبطة بحاجات ضرورية وبيولوجية

§      أشكال فقيرة وبسيطة من حيث الدلالات والمعاني

§      أشكال منغلقة وخاصة بالنوع الحيواني الواحد..

ماهي خصائص اللغة الإنسانية؟

وما الذي يجعل اللغة بالمعنى الدقيق خاصية إنسانية؟

1-      أطروحة ديكارت:

à نص ص 13:   الكلام خاصية للإنسان”

· موضوع النص [عماذا يتحدث هذا النص؟]

النص هو عبارة عن مقارنة بين اللغة الإنسانية و”اللغة” الحيوانية…

· إشكال النص: [السؤال المركزي الذي يسعى النص إلى الإجابة عنه]

ما الذي يجعل اللغة الكلامية خاصية مميزة للإنسان وحده دون سائر الحيوان؟

· أطروحة النص [الموقف الفلسفي الذي يتبناه صاحب النص]

اللغة ككلام هي خاصية مميزة للإنسان وحده دون سائر الحيوان.

حجج النص: للتدليل على أطروحته يقدم ديكارت مجموعة من الحجج يمكن تقديمها كما يلي:

أ- اعتماد حجة التقابل بين الإنسان الأبله أو البليد من جهة والحيوان الكامل من جهة أخرى، ويمكن ترجمة ذلك من خلال الجدول التالي:

الإنسان الأبله

الحيوان الكامل

- من أنقص نوعه عقلا

- نشأة مضطربة

- القدرة على التركيب بين الكلمات

- إنتاج أفكار مفهومة

- من أكمل نوعه

- نشأة سعيدة

- العجز عن التأليف الكلامي

- عدم القدرة على إنتاج أفكار

à وهكذا نستنتج أن الأبله، وبالرغم من نقص قدراته العقلية، يستطيع أن ينتج أفكارا انطلاقا من التأليف بين مختلف الكلمات، بينما لا يستطيع الحيوان الذي هو من أكمل نوعه أن يفعل ذلك.

ب- يلجأ ديكارت مرة أخرى إلى أسلوب التقابل من خلال المقارنة بين الببغاء من جهة والأصم الأبكم من جهة أخرى. وهذا يمكن التعبير عنه من خلال الجدول التالي:

الببغاء

الأصم/الأبكم

* كمال في أعضاء النطق

* القدرة على النطق ببعض الكلمات

* النطق بالكلمات اعتمادا على التقليد

 *عدم القدرة على إنتاج أفكار

* غياب الوعي/العقل

* نقص في أعضاء النطق

* عدم القدرة على الكلام

* تعويض الكلام بالإشارات

*القدرة على إنتاج أفكار

 *حضور الوعي/العقل

à يستخلص صاحب النص من هذه المقارنة النتيجة التالية:

“معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى قدر قليل من العقل”، وهو ما يعني نسبة اللغة ككلام إلى الإنسان كيفما كانت قدراته العقلية، ونفي هذه النسبة عن الحيوان مهما بلغ من التطور والكمال بالقياس إلى نوعه، ما دام يفتقر بشكل مطلق إلى العقل.

ج- يمضي صاحب النص في أسلوب المقارنة للتدليل على الفكرة التي يريد إثباتها، وهو الآن يعمد إلى المقارنة بين القرد والطفل المضطرب عقليا، وهذا ما يمكن توضيحه في الجدول التالي:

القرد

الطفل المضطرب عقليا

من أكمل نوعه

استحالة تعلم الكلام

السبب : افتقاره للعقل

اللغة : حركات طبيعية انفعالية غريزية وآلية

من أنقص نوعه عقلا

إمكانية تعلم الكلام

السبب : امتلاكه للعقل

اللغة : الكلام المعبر عن أفكار عقلية إبداعية

 

Ãوهكذا يصل بنا صاحب النص إلى النتيجة التالية:

اللغة الكلامية هي خاصية مميزة للإنسان وحده ككائن عاقل، وهي لغة إبداعية ومتطورة وغنية بالدلالات، بينما تظل لغة الحيوان مجرد حركات غريزية وآلية تنتفي معها كل قدرة على التطور والإبداع.

وفي الأخير يقدم صاحب النص حجة أخرى لتدعيم موقفه المعبر عنه آنفا، ويمكن صياغتها كما يلي:

لم يتم إثبات في يوم من الأيام أن بإمكان الحيوانات أن تتفاهم مع الإنسان مثلما تتفاهم مع أفراد نوعها، وعليه فالحيوانات لاتتكلم  ولا يمكن أن تمتلك لغة الكلام الإنسانية.

          2- أطروحة إميل بنفنيست:

استنادا إلى دراسة قام بها كارل قون فريش حول النحل، والتي أثبتت أن أفراد النحل يتواصلون عن طريق علامات هي عبارة عن رقصات إما دائرية أو اهتزازية حسب قرب أو بعد مكان الرحيق، حدد إميل بنفنيست ثلاثة خصائص تميز اللغة الإنسانية عن أشكال التواصل لدى الحيوان.

‌أ)      الارتكاز على الصوت مما يمكن الإنسان من التواصل في عدة أوضاع وشروط فيزيائية بينما لا يمكن للحيوان القيام بذلك.

‌ب)تحرر العلامة اللسانية من الموضوع الخارجي الذي تشير إليه

‌ج) قابلية اللسان للتفكيك إلى وحدات صوتية ودلالية قابلة للتأليف، وإعادة التأليف إلى ما لا نهاية.

3- أطروحة أندري مارتيني:

تتميز اللغة الإنسانية بخاصية رئيسية وهي خاصية التمفصل المزدوج، والتي تعني أن اللغة تتكون من تمفصلين:

à التمفصل الأول: الفونيمات وهي أبسط وحدات صوتية غير دالة في اللغة وهي بمثابة الحروف في اللغة العربية.

ويمكن هذا التمفصل الإنسان من التأليف بين الوحدات الصوتية(الفونيمات) وتغيير مواقعها لإنتاج معاني متعددة، وهذا مؤشر على عمق وغنى اللغة الإنسانية وتميزها عن أشكال التواصل لدى الحيوان.

مثال:   *  ك، ل، م:          - كلم      * ب،ر         - بر

- لكم                               - رب

- ملك         * س،ه،م             - سهم

       - همس….

à التمفصل الثاني: المونيمات أو المورفيمات، وهي أبسط وحدات دالة في اللغة، وهي تسمح بالتأليف بينها لإنتاج معاني وأفكار لا متناهية..

\هكذا يمكن القول بأن انفراد الإنسان باللغة هو امتياز يسمح له بالارتقاء فوق مملكة العضويات الحية كما يرى الفيلسوف الألماني ارنست كاسيرر حيث يستطيع الإنسان تشكيل عوامل، رمزية شاسعة وغنية كالأسطورة والفن والدين والفكر… والخروج من رتابة العوالم المادية المباشرة.

II-                                                      طبيعة العلامة اللسانية.

العلامة(signe)§ عامة هي إشارة تدل على شيء أو فكرة

§         لسانية

§         غير لسانية: الإشارات، الرموز، الرقصات…

§         طبيعية: الحمام، الزيتون…

§         اصطناعية: علامات المرور، اللغة الإنسانية…

· الفرق بين العلامة والرمز: هيجلHegel  

à نص هيجل:

 يميز هيجل بين العلامة والرمز، فالعلامة ترتبط بعلاقة اعتباطية/ اتفاقية/ عرضية مع الشيء أو الفكرة التي تدل عليها سواء تعلق الأمر بالعلامات اللغوية أو بالعلامات المادية الاصطناعية مثل الألوان التي تستخدم في البواخر للإشارة إلى الأمة التي تنتمي إليها الباخرة. أما الرمز فيرتبط بعلاقة طبيعية مع ما يرمز إليه، علاقة تنبني على التشابه بين محتوى الرمز وخصائصه وبين المعنى المجرد الذي يرمز إليه، مثال:

§   الأسد، رمز للقوة

§   الثعلب، رمز للمكر

§   الدائرة رمز للأبدية

· العلامة اللسانية هي الوحدة الأساسية في اللغة، وهي الكل المركب من الدالة والمدلول

       العلامة:            الدالsignifiant

      Signe            المدلولsignifié

      الدلالة signification

Éالدال: هو رمز يتكون من وحدات صوتية (=فونيمات) يختلف عددها من كلمة إلى أخرى، ويدخل الدال تحت النظام المادي في الدراسة اللغوية.

Éالمدلول: هو فكرة أو تصور ذهني مستخلص من الدال، وبهذا فهو ينتمي إلى ماهو مجرد و معنوي.

É الدلالة هي العلاقة بني الموجود ببين الدال والمدلول والتي تختلف حسب السياق.

à الإشكال : ماهي طبيعة العلاقة بين الدال والمدلول؟ هل هي علاقة طبيعية وضرورية أم اعتباطية وعرضية؟

1-         الموقف التقليدي:

لقد اعتقد اللغويون القدماء وعلى رأسهم أفلاطون أن علاقة الكلمة بالشيء هي علاقة طبيعية تعكس فيها الكلمات أصواتا طبيعية وتحاكيها، مثل زقزقة العصافير خرير المياه… فلقد اعتبر أفلاطون أن الأسماء هي عبارة عن أدوات نسمي بها الأشياء، فهي –أي الأسماء- من صنع ووضع المشرع لأنه يستطيع وضع الأسماء على نحو طبيعي وبحسب الخصائص الذاتية التي تحملها هذه الأشياء، كما أنه وانطلاقا من محاكاة الأسماء لماهيات الأشياء وصفاتها يستطيع أن يضع لكل شيء اسما معينا يناسبه.

2-         الموقف المعاصر:

‌أ)      إرنست كاسيرر(Ernest  Kassirer)

يقول كاسيرر” إن الأسماء الواردة في الكلام الإنساني لم توضع لتشير إلى أشياء مادية بل وضعت لتدل على معاني مجردة وأفكار لايمكن قراءتها في الواقع المادي ولا يمكن استخلاصها من جرس الكلمات وإيقاع الحروف، بل إن الكلمة أو الرمز لا تحيل في ذاتها إلى أي معنى أو مضمون إلا الذي اصطلح عليه المجتمع.

à استنتاجات:

Éالعلامات الموجودة في اللغة هي من وضع الإنسان، فهي ترجع إذن إلى مجرد المواضعة والاتفاق.

Éلم توضع اللغة لتعبر عن الواقع مباشرة، أي لتشير إلى أشياء مادية محسوسة، بل وضعت لتعبر عن الفكر، أي لتدل على أفكار وتمثلات ذهنية يسقطها الإنسان على أشياء الواقع المادي.

Éلايمكن استخلاص المعنى (المدلول) من جرس الكلمات (الدال)، وهذا يعني أنه لا توجد علاقة تشابه وضرورة بين الدال والمدلول، بل إن العلاقة بينهما حسب كاسيرر ترجع إلى مجرد المواضعة والإتفاق بين أفراد المجتمع.

‌ب)فرندناند دوسوسير(F. De saussure)

Ãنص:   “عملية الدلالة بالعلامة اللسانية”

Éموضوع النص: العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول وكيفية تشكل العلامة اللسانية

Éإشكال النص: ماهي العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول؟

Éأطروحة النص: العلاقة الموجودة بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية.

Éالبنية المفاهيمية للنص:

§   الصورة السمعية: هي أثر نفسي ناتج عن الصوت: أي أنها تمثل ذهني تمنحنا إياه حاسة السمع.

§   التصور: هو تمثل ذهني أو فكري أو مدلول يتعلق بشيء معين.

§   الدال المدلول والدلالة(انظر الدرس)

§   الاعتباط: يعني أن الدال غير مبرر ولا تربطه أية علاقة طبيعية في الواقع مع المدلول، بل هي مجرد علاقة مواضعة واتفاق.

§   حجج النص: يقدم النص مجموعة من الحجج للتأكيد على قوله باعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول:

o   الحجة بالمثال: لا يمكن استخلاص معنى أخت من سلسلة الأصوات أ.خ.ت مادام أنه يمكن التعبير عنه بعدة ألفاظ بحسب اختلاف الألسن.

o   المعنى الواحد يمكن التعبير عنه بعدة ألفاظ بحسب اختلاف اللغات.

يرى دوسوسير أن الدلالة اللسانية لا تجمع بين الشيء واللفظ بل بين دال ومدلول؛ فالعلاقة اللسانية لا تعبر مباشرة عن الشيء وإنما تعبر عن تصورنا حول هذا الشيء. ففكرة الشيء هي التي تنتج علامته اللسانية، فاللغة إذن هي تعبير عن الواقع كما يدركه الفكر.

III-                                                  اللغة و الفكر.

Ãالإشكال:     “اللغة هي أداة للتعبير عن الفكر”

هل فعلا أن اللغة مجرد أداة للتعبير عن فكر سابق عليها؟

هل يمكن الحديث عن وجود فكر مستقل عن اللغة؟

هل العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصال أم اتصال؟

هل بإمكان اللغة التعبير عن كل مكونات الفكر؟

1-         الموقف التقليدي/الانفصالي :

‌أ)      أفلاطون: يميز بين وجود عالمين:

· عالم المثل:             - عالم عقلي مفارق

(الفكر)              - عالم المعقولات/الأفكار المثالية

- عالم الحقائق المطلقة والكاملة

· عالم الحس:            - عالم مادي حسي

(اللغة)              - عالم المحسوسات

- عالم أشباه الحقائق والظلال

يعطي أفلاطون الأسبقية للفكر على اللغة، فللفكر أسبقية أنطلوجية على اللغة أي أنه سابق في الوجود عليها. إن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصال واستقلال: فمستودع الأفكار عند أفلاطون هو عالم المثل؛ فالأفكار المطلقة توجد في هذا العالم بدون كلمات لأن اللغة تنتمي إلى عالم آخر يأتي في مرتبة سفلى هو العالم المادي الحسي.

إذن فاللغة في نظر أفلاطون ليست سوى أداة للتعبير عن فكر سابق عليها.

‌ب)ديكارت (R. Descartes)

يرى ديكارت أن اللغة والفكر من طبيعيتين مختلفتين؛ فاللغة ذات طابع حسي مادي أما الفكر فهو ذو طابع روحي، ولذلك فالعلاقة بينهما هي علاقة انفصال واستقلال، والأسبقية هنا للفكر.

‌ج) شوبنهاور(Schopenhauer)

“الأفكار تموت لحظة تجسيدها في كلمات”

Éللفكر أسبقية على اللغة

Éليست اللغة سوى أداة للتعبير عن الفكر وإظهاره

Éالفكر أوسع نطاق من اللغة، وهذه الأخيرة لا تستطيع الإحاطة بكل جوانبه.

Éالعلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصالية.

2-         الموقف المعاصر/الاتصالي :

‌أ)      دوسوسير

Ãنص: “لقد وقع إجماع الفلاسفة وعلماء اللسان على أننا نكون عاجزين بغير الاستعانة باللسان، عن التمييز بين فكرتين أو معنيين بكيفية واضحة وثابتة، ولو اعتبرنا الفكر ذاته لتبين لنا أنه عبارة عن سديم وعماء ضبابي ليس فيه بالضرورة شيء محدد، فليس هناك معان وأفكار قد سبق وضعها، ولا وجود لشيء متميز قبل ظهور اللسان… ويمكن أن نشبه اللسان بوجهي ورقة نقود: فالوجه هو الفكر، والظهر هو الصوت ولا يمكن أن نحدث قطعا في وجه الورقة دون أن نقطع في نفس الوقت ظهرها، وهكذا الحال مع اللسان، لا يجوز أن نعزل الصوت فيه عن الفكر ولا الفكر عن الصوت”.

Ãاستنتاجات:

Éلا يكون الفكر واضحا حسب دوسوسير- إلا من خلال كلمات اللغة التي تجزئه إلى أفكار يمكن التمييز بينها بدقة وجلاء؟ فبدون اللغة لا يمكن للفكر أن يتجسد بشكل كامل وواضح.

Éيشبه دوسوسير الفكر بكتلة ضبابية، فلكي يعبر عن ذاته لا بد أن يتجزأ إلى وحدات واضحة، وهو الأمر الذي تقوم به كلمات اللغة، كمالا يمكن الحديث في نظر دوسوسير عن فكر واضح قبل اتصاله باللغة، فالعلاقة بينهما هي علاقة اتصال ولا يمكن الحديث عن وجود أحدهما في غياب الآخر.

وهكذا يشبه دوسوسير اللغة بورقة نقدية وجهها الفكر وظهرها الصوت فلا يمكن أن نمزق الوجه دن أن نمزق الظهر، وكذلك الحال في ارتباط الصوت بالفكر.

‌ب)ميرلوبنتي

Ãنص:      “الفكر والكلام”

- إشكال النص: كيف تتحدد علاقة الفكر بالكلام؟ هل هي علاقة انفصال أم اتصال؟ وهل يمكن القول إن الفكر سابق عن الكلام أم أنهما يتكونان في آن واحد؟

- أطروحة النص: ليس الفكر والكلام موضوعين منفصلين، ذلك أن كل منهما محتوى في الآخر، فالعلاقة بينهما هي علاقة وثيقة بحيث لا يمكن الحديث عن أسبقية أحدهما عن الآخر، فهما ينبثقان في آن واحد.

- حجج النص:

§   الحجة بالمماثلة: العلاقة بين الفكر والكلام لا تشبه العلاقة بين النار والدخان؛

لا يمكن اعتبار الكلام مجرد علامة على وجود الفكر مثلما الأمر بالنسبة لعلاقة الدخان بالنار، وهو ما نفهم منه رفض ميرلوبنتي للقول بأسبقية الفكر على الكلام ورفض العلاقة الانفصالية بينهما.

§   العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة تماهي وتداخل إذ أن كلا منهما محتوى في الآخر، يؤخذ الفكر من الكلمات، والكلمات هي المظهر الخارجي للفكر.

§   أثناء عملية التذكر نتذكر الكلمات أسهل مما نتذكر الأفكار، وهذا أمر له دلالته بحيث أنه لايمكن تذكر الأفكار معزولة عن الكلمات. إذن فالكلام ليس مجرد وسيلة للتعبير عن الفكر بل هو الفكر نفسه وهو متجسد في قالب لغوي.

§   الأصوات تحمل في ذاتها المعنى، والكلمات هي ذاتها نص مفهوم، وقوة الكلام تأتيه مما يحمله من دلالة.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الارتباط الوثيق بين الفكر والكلام.

§   يرفض ميرلوبنتي أن يكون الكلام مجرد إشارة أو لباس للفكر، ويقول على العكس من ذلك إنه  جسده وحضوره في العالم المحسوس.

Ãلاوجود لفكر خارج عالم الكلمات لأن الفكر الصامت هو نفسه ضجيج من الكلمات.

وفي الأخير يؤكد ميرلوبنتي على عدم وجود أسبقية بين اللغة والفكر بل يذهب إلى القول بأنهما يتكونان في آن واحد.

هل يمكن للغة التعبير عن كل مكونات الفكر؟

هناك أحوال يبدو فيها الفكر أوسع نطاق من اللغة، وتبدو هذه الأخيرة عاجزة عن التعبير عنه.

أ- الحالات الوجدانية العاطفية:

يرى هنري برجسون أن الفكر أوسع نطاق من اللغة، فهذه الأخيرة تظل عاجزة عن التعبير عن كل معطيات الفكر، وفي هذا الإطار يميز برجسون بين وجود عالمين يعيشهما الإنسان:

· عالم داخلي: وهو عالم الحالات الفكرية، والشعورية والوجدانية

· عالم خارجي: وهو عالم الأشياء والموجودات المادية.

ولقد جاءت اللغة من أجل تلبية حاجة الإنسان/العقل لاستيعاب العالم المادي و السيطرة عليه، ولما كان العقل لا يحقق هذا الاستيعاب وهذه السيطرة إلا باللجوء إلى عملية التجزئ والقياس الكمي، فإنه يستعمل نفس الطريقة حتى وهو يتعامل مع الأشياء غير المادية وخصوصا ظواهر الحياة النفسية الداخلية، ولما كانت هذه الظواهر لا تقبل التجزيء، فإن العقل ولغته يظلان إما عاجزين عن التعبير عن هذه الظواهر الوجدانية والشعورية في خصوصيتها وتفردها، وإما يتعسفان عليها بتحويلها إلى أشياء(التشييء) وهو ما يضعف من مكوناتها وطاقاتها الكاملة.

ب- الحالات الصوفية:

يعيش رجال التصوف تجارب روحية من خلال ما يقومون به من طقوس دينية، وهي تجارب متفردة ومتميزة لا يدركها إلا المجرب/الصوفي. كما أنه لا يستطيع أن يعبر عنها بواسطة اللغة لأنها حالات روحية تتجاوز عالم الكلمات خصوصا، وأن اللغة ذات أصل اجتماعي مما يجعلها لا تواكب العوالم الروحية التي يرتادها الصوفي.

ج- حالات الفكر العلمي:

العلماء في مجال الرياضيات مثلا يصلون إلى أفكار لا تستطيع اللغة الطبيعية التعبير عنها، فيلجؤون إلى وسائل تعبيرية أخرى تتمثل أساسا في اللغة الصورية الرمزية، وهذا مثال آخر على قصور اللغة وعدم قدرتها على مواكبة الفكر والإحاطة بكل جوانبه.

د- الحالات الفنية:

لجوء الإنسان إلى بعض الوسائل التعبيرية كالرسم والموسيقى هو دليل آخر على عجز اللغة عن التعبير عن كل مكونات الفكر.

\إن إشكالية العلاقة بين اللغة والفكر تحمل في طياتها إشكاليات أخرى عديدة ومعقدة ومتداخلة. ومن أبرز هذه الإشكاليات إشكالية الوظائف التواصلية للغة باعتبارها مواضعة اجتماعية وتأليفا بين عدة عناصر. فكيف يتحدد التواصل بواسطة النسق اللغوي؟ هل يتحقق التواصل في إطار من الشفافية والوضوح أم أن عملية التواصل تدخل عوامل تقصي الشفافية؟

IV-                                                 وظائف اللغة.

تقول جوليا كرستيفا: “إذا كانت اللغة مادة للفكر، فهي أيضا عنصر للتواصل الاجتماعي، فلا مجتمع بدون لغة كما أنه ليس هناك مجتمع بدون تواصل”

Ãالإشكال: كيف تؤدي اللغة وظيفة التواصل؟

أثناء التواصل، هل تقوم اللغة بوظيفة الكشف والإظهار أم الإخفاء والإظهار؟

1-      وظيفة الكشف والإظهار :  جاكوبسون

تقوم اللغة بوظيفة أساسية هي تحقيق التواصل.

ماهو التواصل؟

التواصل هو نقل خبر أو معلومة من طرف أول يسمى مرسل إلى طرف ثاني يسمى متلقي أو مرسل إليه.

كيف تؤدي اللغة وظيفة التواصل؟

تتطلب عملية التواصل ستة عناصر أساسية كلما ركزنا على عنصر من هذه العناصر الست إلا وأدت اللغة وظيفة معينة.وهو ما يمكن توضيحه من خلال الخطاطة التوضيحية التالية:

المرجع (وظيفة مرجعية/إخبارية)

المرسل                   الرسالة (وظيفة شعرية)      المرسل إليه                                                                (وظيفة انفعالية                                                        (وظيفة تأثيرية)

                                القناة (وظيفة اتصالية)                       

    السنن (وظيفة واصفة)

· الوظيفة التعبيرية/الانفعالية: وهي ما تسعى رسالة ما تحقيقه من خلال التعبير الانفعالي للمرسل.

· الوظيفة التأثيرية: وهي الطرية التي قد يضطر المرسل إلى نهجها من أجل التأثير على المتلقي

· الوظيفة الاتصالية: وهي الصيغ اللغوية التي قد يلجأ إليها المرسل حتى لا يكون هناك فتور في التواصل، وهي قد تتم من خلال عدة قنوات، كلام شفوي مباشر، هاتف فاكس…

· الوظيفة الشعرية: وهي الصور التي يجب أن تتحقق في الرسالة ذاتها عل مستوى جمالية التعبير والأنساق اللغوي وضبط للقواعد واحترام لها.

· الوظيفة الواصفة: وهي وظيفة يمكن أن تتجلى في كل دراسة لخطاب من الخطابات أو رسالة من الرسائل، في هذه الحالة تتخذ الرسالة صور تحليلية أو نقدية أو شروح…إلخ.

Éإن سرد الوظائف بهذا الشكل يبين أن الرسالة الواحدة يمكنها أن تقوم بكل هذه الوظائف، لذلك قال جاكبسون إن تحديد رسالة ما بالوظيفة المهيمنة لا يجب أن تحجب عنا الوظائف المتبقية. غير أن اللغة أثناء عملية التواصل لا تتم ممارستها في إطار من الوضوح والشفافية دائما، بل تصبح اللغة أيضا وسيلة للإظهار والإخفاء.

2-      وظيفة الإظهار والإخفاء:   دوكرو

يرى دوكرو أن اللغة تحمل في ذاتها وسائل للإخفاء والإظهار حيث يتخذ كل فرد الحيطة والحذر في كلامه، فيظهر كل ما يمكن أن يحاسب عليه، وتعود ضرورة الإظهار في اللغة إلى سببين رئيسيين:

§         المحرمات اللغوية الموجودة في كل جماعة بشرية.

§         كل قول قابل للنقد والاعتراض عليه من طرف الآخرين.

وهكذا يعتبر دوكرو أن اللغة ليست مجرد شرط لحياة اجتماعية أو أداة لنقل أخبار واضحة وجلية، بل إنها نمط لحياة اجتماعية ولمعيش يومي، أي أنها حاملة للأنظمة السياسية والدينية والأخلاقية ولطقوسها التحريمية.

إن اللغة والحالة هاته هي بمثابة قواعد لعب يومي، ليس بالمعنى المبتذل لكلمة لعب بل بمعناه كإستراتيجية تعتمد على الحساب والتقدير المسبق للنتائج.

3-      الوظيفة السلطوية/رولان بارت(R. Barthes)

تقوم اللغة بوظيفة سلطوية على الفرد الناطق بها، وتتجلى هذه السلطة في مستويين رئيسيين:

‌أ)      مستوى الشكل: حيث لا يمكن للمتحدث بلغة ما أن يخرق قواعدها النحوية والصرفية، وإلا سيعتبر كلامه خاطئا أو خارجا عن الصواب وحسن الأخلاق، كأن يخاطب المذكر مؤنثا أو العكس.

من هنا فاللغة تمارس سلطة على الفرد مادام ينضبط لمنطقها وتركيبها الخاص.

‌ب)مستوى المضمون: إن الشخص الذي يتعلم لغة ما يستبطن في نفس الوقت ما تحمله تلك اللغة من مضامين اجتماعية وقيم فكرية، وهي التي تتحكم في مواقفه وسلوكاته فيما بعد.وهذا مظهر من مظاهر سلطوية اللغة. وفي هذا الإطار يرى بارت أن اللغة تنطوي تبعا لبنيتها ذاتها على علاقة استلاب محتومة، فكل لغة تحدد بما تلزم بقوله أكثر مما تحدد بما تسمح بقوله، ويمكن القول مع رولان بارت بأنه ما إن ينطق لسان حتى ينخرط في سلطة معينة، فأن تتكلم ليس هو أن تتواصل بل أن نسود ونسيطر.

\نستخلص إذن أن اللغة لسان اجتماعي له وظائف متعددة منها ما يتعلق بخدمة الذات المفكرة فتعبر عن الأفكار وتقوم بعمليات التحليل والتأمل والمناقشة وغيرها من العمليات العقلية. أما فيما يتعلق بالتواصل، فلا تقتصر وظيفة اللغة على تبليغ رسالة والكشف عن أفكار، بل هي وسيلة للإخفاء والنفاق والتظاهر والتزييف، كما أن اللغة خزان اجتماعي لثقافة الشعوب والحضارات إذ بتعلم لغة ما نضطلع في نفس الوقت على حضارة أهلها. هكذا تلعب اللغة أدوارا متعددة بالنسبة للفرد والمجتمع، أهمها فرض السلطة الخاصة بها كلغة لها سنن خاص ومضمون اجتماعي معين.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.