Generic Viagra generic viagra europe
المحور الأول من درس اللغة مسألة المنهج في الكتابة الإنشائية الفلسفية
مارس 07

المياتافيزيقا بعيون كانط

لم يقدم كانط نفسه لنا كعدو للميتافيزيقا، بل ذكر أن هدفه الأسمى هو تخليص الميتافيزيقا من الميتافيزيقيين أنفسهم، ذلك أن الخطأ الكبير الذي ارتكبه هؤلاء بنظر كانط هو أنهم استخدموا عقولهم خارج نطاق حدود التجربة، وهو استخدام غير مشروع في نظر كانط. فلا يمكن في نظره أن نزعم مع الميتافيزيقيين أنه بإمكاننا إنتاج معرفة علمية بصدد مواضيع النفس والعالم والله، وهي المواضيع الميتافيزيقية الكبرى المعروفة.

إن كانط لا يزعم أن مواضيع الميتافيزيقا هذه غير موجودة، بل يرى فقط أن عقلنا لا يملك من الإمكانيات التي تؤهله لإدراك وجودها وماهيتها. فبإمكان العقل التفكير في الميتافيزيقا والاعتقاد فيها، لكن لا يمكنه معرفتها.

لقد رأى كانط أن الميتافيزيقيين أقاموا صروحا عقلية شامخة من أجل إدراك القمم العالية للوجود، ولكن للأسف استخدموا في ذلك موادا لا تكفي بنظر كانط إلا لإقامة مساكن بشرية متواضعة. انطلاقا من هنا فقد ظلت الحقيقة المطلقة الماورائية أرضا مجهولة لم تطأها مغامرات العقل البشري ولم يستطع الفكر البشري ارتياد قلعتها المستعصية عن الاقتحام.

لقد اعتبر كانط أن الميتافيزيقا ميلا طبيعيا صادرا عن طبيعة تكويننا البشري، ولذلك فهو لم يعتبر مواضيعها أوهاما يتعين القضاء عليها. فهو وإن أكد عجز الفكر البشري على إدراك موضوعات الميتافيزيقا والبرهنة على وجودها، فهو مع ذلك لم يقل أن بإمكان العقل البشري أن يبرهن على عدم وجودها.

وفي هذا السياق فقد رفض كانط قول ديكارت بوجود «ذات مطلقة» أو جوهر قائم بذاته هو «النفس» أو «الأنا»، لأن ماهية النفس تبقى بالنسبة لكانط مجهولة ما دمنا لا نملك حدسا حسيا يوفرلنا المادة الضرورية التي تمكن الفكر من إنتاج فكرة صحيحة ويقينية عن ماهية النفس. ولكننا مع ذلك نملك، كما يقرر كانط، شعورا بوجود النفس في الزمان من جهة وباعتبارها موضوعا لإحساس باطني من جهة أخرى. لكن هذا الإحساس لا يمكن العقل أبدا من معرفة الماهية الحقيقية للنفس.

أما عن مفهوم الله، فيرى كانط أنه لا يمكن أن نقول عنه أي شيء محدد، لأن أي حديث عن الله سيضطرنا إلى أن ننسب إليه أوصافا ونعوتا نستمدها من العالم المحسوس وما خبرناه في تجربتنا الظاهرة، فينتج عن ذلك نوع من عدم التناسب بين مفهوم الله كمفهوم عقلي خالص وبين تلك النعوت المحسوسة التي ننسبها إليه. إنني أتصور الله مستقلا تمام الاستقلال عن أية ظواهر محسوسة، ولذلك لا يحق لي أن أطلق عليه أية صفة منتزعة من صميم تجربتي كتجربة مشروطة بما هو محسوس. ولهذا يرى كانط أنه بإمكاننا أن نتصور أن هذا العالم من صنع عقل أسمى، لكننا مع ذلك لا يمكننا أن نقدم أية معرفة دقيقة وصحيحة عن طبيعة هذا العقل الأسمى كشيء في ذاته.

ويترتب عن ذلك أن تصورنا لله قائم على معرفتنا بطبيعة العالم وطريقة صنعه، وليس على معرفتنا بطبيعة العقل الإلهي. هكذا فنحن نستطيع أن نعرف العلاقة الموجودة بين كائن إلهي أسمى و بين العالم، على أساس أن للعالم صورة عقلية تدل على العلة الفاعلة الأولى التي هي المفسرة لهذا التناسق العقلي الذي يحكم العالم وأشيائه. لكن هذا النوع من التفسير لا يمكننا مع ذلك من تكوين أية معرفة علمية بطبيعة هذا العقل الإلهي الأسمى.

الواقع أن كانط أفسح المجال للاعتقاد بالميتافيزيقا لكي يمنح للأفعال الأخلاقية معنى وغاية معقولة. فللميتافيزيقا قيمة عملية أخلاقية باعتبارها ميلا طبيعيا، وباعتبارها الأساس الضروري الذي يمنح لأفعالنا غائيتها ويمكن المبادئ العملية من أن تنبثق وتترعرع في أحضانه.

إن العقل النظري لم يمكن من البرهنة على موضوعات الميتافيزيقا، وهو الأمر الذي جعل كانط يلجأ إلى العقل العملي من إجل إيجاد موطئ قدم للميتافيزيقا باعتبارها ميلا فطريا أو نزوعا طبيعيا لدى الكائن البشري من جهة، وباعتبارها ضرورة عملية أخلاقية من جهة أخرى.

إن خوض العقل في أمور الميتافيزيقا لا يمكن تفسيره إلا كظاهرة أنثروبولوجية مرتبطة بالغاية التي توختها الطبيعة عندما وضعت هذا النزوع الميتافيزيقي في أعماق النفس البشرية.

تعليق واحد على “الميتافيزيقا بعيون كانط”

  1. محمد الشبة يعلق:

    أهمية البعد الميتافيزيقي عند الإنسان

    الإنسان كما يقول شوبنهاور حيوان ميتافيزيقي. ولذلك -وكما يرى كانط - فالإنسان يميل بحكم طبيعته البشرية إلى الاعتقاد في الأمور الميتافيزيقية والتفكير فيها.
    وما نستفيده من الدرس الكانطي هو أن العقل البشري لا يستطيع أن يبرهن لا على إثبات موضوعات الميتافيزيقا ولا على نفيها. لكنه مع ذلك لا يمكنه أن يتفاداها ويتجاهلها لأن تكوينه السيكولوجي وأعماقه النفسية لا يسمحان له بمثل هذا التجاهل.
    وقد بين تاريخ البشرية أن الإنسان، ومنذ غابر الأزمان، كان ميالا بطبعه إلى الاعتقاد وتقديس قوى طبيعية أو غير طبيعية كان يعتقد أنها تتمتع بصفات الألوهية وأنه يتوجب عليه طاعتها والخوف منها وتقديم القرابين لها.
    وقد تتغير الآلهة من زمان لآخر، لكن في جميع الأحوال فالإنسان لا يستطيع أن يحيى بدون التطلع إلى الخلود، إلى عالم ماورائي يحقق فيه ما عجز عن تحقيقه في هذا العالم الفاني.
    إن البعد الميتافيزيقي لدى الإنسان يكشف عن تناهيه وشعوره بالنقص أمام لا تناهي العالم وغنى مظاهره من جهة، وأمام انسجام وتوافق ظواهره وتجاوزها لقدرات العقل البشري من جهة أخرى.
    وفي جميع الأحوال فليس هناك أي تناقض في قول كانط بأنه يمكننا التفكير في الميتافيزيقا والاعتقاد بها، لكننا مع ذلك لا يمكننا معرفتها. فالمعرفة العلمية عند كانط لا تتعلق سوى بالظواهر أو الفينومينات أما الأشياء في ذاتها أو النومينات فلا يستطيع العقل البشري أن ينتج بصددها أية معرفة متيقن منها. ولهذا يرى كانط أن تجاوز العقل لحدوده المشروعة، وهي حدود ما هو حسي ظاهري، يوقعه في النقائض والأغاليط.
    لكن كانط مع ذلك يعتبر أن الله والنفس والحرية هي مسلمات أساسية للعقل الأخلاقي العملي، الذي لا يمكنه ان يشتغل بدون الارتكاز عليها. من هنا يبدو أن كانط -كما أقر هو نفسه- قد ضحى بالعلم في سبيل الإيمان.

    وليس هذا غريبا من مفكر عقلاني وصارم مثل كانط، لأن تجاهل الميتافيزيقا ورمي كتبها في النار كما حاول ذلك أنصار النزعة العلموية والوضعية هو اقتراح لا يحل مشكل تعاطي العقل البشري مع الميتافيزيقا. كما أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يمكن الإنسان أبدا من التخلي عن التفكير في الإشكالات الميتافيزيقية الكبرى كوجود الله وخلود النفس مثلا.
    وانظر كيف أن كانط بعبقريته الفلسفية الفذة يقول: إنني لا أستطيع أن أقول بواسطة العقل النظري أن الله موجود، ولكنني أستطيع أن أقول عن طريق الإيمان الخلقي: إنني واثق أخلاقيا من أن ثمة إلها.

    ولعل مثل هذا القول المتناقض في ظاهره، والصادر عن عبقرية فلسفية مثل عبقرية كانط، يكشف عن أهمية البعد الميتافيزيقي في حياة الكائن البشري.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.