Generic Viagra generic viagra europe
ملاحظات على إجابة تلميذة عن نص فلسفي أقدم لك عزيزي التلميذ: تصورات فلسفية حول الحرية
مارس 10

حرية الإنسان عند اسبينوزا

أود أن أطرح أمامكم حقيقة موقف اسبينوزا من مسألة حرية الشخص. فالواقع أننا لا نجد لدى هذا الفيلسوف ميلا واضحا نحو جهة القول بحرية الشخص كما هو الأمر عند سارتر أو مونيي، أو الميل نحو جهة الإكراه كما الشأن عند بعض ممثلي العلوم الإنسانية كفرويد الذي يقول بحتمية الدوافع اللاشعورية أو جي روشي الذي يقول بالإكراهات الاجتماعية والثقافية التي يتعرض لها الفرد أثناء مسلسل التنشئة الاجتماعية.

هذا التأرجح الذي نجده لدى اسبينوزا بين القول بالحرية الناتجة عن امتلاك الإنسان للعقل وبين القول بخضوعه في الآن نفسه للقوانين التي تحكم طبيعته الإنسانية، خلق لدى تلامذتي نوعا من التشويش على مستوى الفهم؛ خصوصا وان التلميذ يميل دائما إلى عملية التصنيف والحسم النهائي بين فلاسفة يقولون بالإكراه وآخرون يقولون بالحرية.

لكن صعب علي في الواقع تلبية رغبة التلميذ في عملية الحسم هاته، بصدد موقف اسبينوزا من الإشكال المتعلق بالشخص بين الضرورة والحرية؛ فانتهيت معهم إلى صياغة موقف اسبينوزا بصدد الحرية كما يلي: الشخص حر، وحريته محكومة بمحددات طبيعية. والمقصود هنا الطبيعة الإنسانية؛ لأن اسبينوزا يذهب إلى أن كل كائن يمتلك طبيعة تحتم عليه أن يتصرف في الحدود التي تتيحها له قوانينها. وهذا ينطبق على الإنسان كما ينطبق على الحيوان غير العاقل والنبات … بل على الله أيضا.

إن امتلاك الكائن البشري للعقل يمكنه ولا شك من التحكم في رغباته وشهواته، عن طريق الوعي بها وتوجيهها التوجيه الصحيح، وهنا تتبدى ولا شك حريته، وهي حرية تتحرك داخل سياج وحدود طبيعته الإنسانية.

يقول اسبينوزا في كتابه “علم الأخلاق” ص 394:

« الجزء الأزلي في النفس هو العقل، وهو الجزء الوحيد الذي نقال بمقتضاه فاعلين …».

هكذا يكون الإنسان “فاعلا” و “حرا” بقدر ما يكون على علم ومعرفة كافية بالانفعالات المميزة لطبيعته.

وفي هذا السياق يقول اسبينوزا في “علم الأخلاق” دائما:

« بقدر ما تدرك النفس الأشياء كلها على أنها ضرورية، تكون قدرتها على الانفعالات أعظم، أي أن خضوعها لها يكون أقل ». صص 361-362

وهنا يتحدث اسبينوزا عن “قدرة” يمتلكها الإنسان على الفعل والتحكم في شهواته ورغباته، وهو نوع من القول بالحرية، لكن هذه القدرة والحرية محكومة بضرورة طبيعية تتمثل في الدوافع الغريزية والانفعالات المميزة لطبيعة الإنسان. فالخضوع إذن لهذه الانفعالات هو أمر لا بد منه، لكن درجة الخضوع تختلف بحسب قوة الإدراك العقلي والمعرفي للانفعالات التي تحكم طبيعتنا. وهذا ما يوضحه قول اسبينوزا:

« تكون قدرتنا على الانفعال أعظم وتكون النفس أقل تأثر به بقدر ما يكون هذا الانفعال معلوما لدينا». “علم الأخلاق”، ص 358

فمعرفة الإنسان بطبيعته البشرية وامتلاك علم دقيق بها يمكنه من بسط قدرته عليها. وهذه القدرة على السيطرة والتوجيه تنم عن حرية نسبية يمارسها الإنسان في حدود ما تتيحه له طبيعته. ولهذا يذهب اسبينوزا إلى التأكيد على « أننا لا نملك سلطانا مطلقا على هذه الانفعالات». - نفس المصدر، ص354.

وهذا يعني أن الإنسان يمتلك سلطانا ما، و بالتالي حرية ما، لكنها حرية وقدرة على التصرف ليست بالمطلقة بل هي نسبية وتتم في حدود الوعي بما يحكم طبيعتنا.

ونجد اسبينوزا يربط بين المعرفة والقدرة على التحكم حيث يقول:

« قدرة النفس تتحدد بالمعرفة فحسب، وعجزها أو انفعالها السلبي بانعدام المعرفة فحسب».

هكذا فكلما كانت لدينا معرفة وعلم أكثر بالانفعالاتنا والشهوات والدوافع المميزة لطبيعتنا، كلما كانت قدرتنا على التحكم فيها وعقلنتها على نحو نثبت من خلاله “حريتنا” عليها. فللعقل سلطته وللنفس أوامرها، لكنها أوامر لا معنى لها، كما يقول اسبينوزا، خارج إطار الشهوات ذاتها.

ويتحدث اسبينوزا عن أسباب خفية تتحكم في الناس، بحيث أن جهلهم لها يجعلهم يعتقدون واهمين أنهم أحرارا فيما يصدر عنهم من أفعال. وتتمثل هذه الأسباب في الدوافع الغريزية التي تميز الطبيعة الإنسانية، باعتبار أن الإنسان حيوان راغب له اندفاعات وشهوات.

ويقدم اسبينوزا بعض الأمثلة التي توضح خضوع الإنسان لانفعالاته وشهواته الطبيعية؛ حيث يذكر أن الإنسان يدرك على مستوى عقله ما هو أفضل ومع ذلك يفعل الأسوء، أي أنه قد يعرف أن هذا السلوك أو ذاك غير مقبول من الناحية العقلية والأخلاقية ولكنه مع ذلك يفعله. وهذا دليل على أن هناك قوى خفية تتحكم فيه ترجع إلى الدوافع المحددة لطبيعته. كما يتحدث اسبينوزا عن الرضيع الذي يميل إلى ثدي الأم، والجبان في حالة الفرار، والرجل في حالة الغضب الشديد، ليثبت من خلال ذلك سلطان الانفعالات الطبيعية على سلوك الإنسان.

وعلى العموم، لو كان الناس يتحكمون في ألسنتهم وأفعالهم لكان العالم البشري يعيش في أحوال وظروف جيدة. لكن خضوع الناس لشهواتهم وانفعالاتهم في معظم الحالات هو سبب كل الويلات التي عرفتها الحياة البشرية في الماضي والحاضر.

ولكي نلخص نقول: إنه لا توجد حرية لدى الشخص خارج إطار الضرورة الطبيعية حسب اسبينوزا. فأن أكون حرا معناه أن أكون على علم ودراية بالقوانين المحددة لطبيعتي الإنسانية وان أتصرف بما يلزم داخل نطاق هذه الطبيعة.

فهل يستقيم إذن الحديث عن حرية طبيعية لدى الإنسان ؟ وهل القول بحرية الشخص في نطاق طبيعته الإنسانية هو دليل على حريته أم خضوعه ؟

وهل يمكننا التحدث مع اسبينوزا عن حرية و لو نسبية يتمتع بها الإنسان ؟

إننا نجد اسبينوزا يتحدث عن حرية طبيعية يتمتع بها الكائن البشري، وهذا قد يمكننا من الحديث عن نوع من الحرية النسبية لدى الإنسان عند هذا الفيلسوف؛ لأنه أولا ليس هناك نفي تام لحرية الإنسان عند اسبينوزا يجعلنا نقول انه خاضع بشكل تام ومطلق. وهذا بسبب أن الإنسان يمتلك العقل الذي يجعله يعرف الخصائص المميزة لطبيعته و الوعي بها ، مما قد يمكنه من توجيهها والتحكم فيها بشكل حر، لكن ذلك يتم في حدود ما تتيحه له طبيعته سواء فهمنا الطبيعة هنا على أساس أنها العقل أو فهمناها على أساس أنها الدوافع الغريزية والشهوات والانفعالات الموجودة لدى الإنسان. فبالنسبة للعقل فإمكانياته في المعرفة والعلم محدودة، وبالمثل قدرته على التحكم في الرغبات والاندفاعات التي تلح عليه، أما بالنسبة للطبيعة الغريزية فهي محكومة بقوانين تجعلها تتم في نطاق معين حتى ولو خرجت بشكل كبير وربما تام عن لجام العقل وتدخله.

انطلاقا من كل هذا لا يمكن إلا أن نتحدث مع اسبينوزا عن حرية طبيعية ونسبية، محكومة بضوابط الطبيعة المميزة للإنسان.

فالإنسان قد يتحكم في انفعال الخوف مثلا، إلا أنه تحكم نسبي ينم عن حرية نسبية؛ إذ لا يمكن إزالة الخوف أو تلافيه نهائيا بل يمكن فقط التخفيف منه وخفظ درجاته. وقل الأمر نفسه بالنسبة للانفعالات الأخرى كالغضب والحب والكراهية وما إلى ذلك.

ويبدو أن ربط الحرية بالغرائز هو قول لا يستقيم؛ إذ أن خضوع الإنسان لغرائزه هو نفي لحريته وليس دليلا عليها؛ ما دام أنها ستغدو حرية بهيمية في حين أن الحرية الحقيقية هي القدرة على التصرف وفق أوامر العقل وإملاءاته.

وإذا كانت الرغبات تعرف تعددا وتغيرا دائما ومستمرا، فلأن الإنسان كما يقول اسبينوزا حيوان راغب. وبالفعل فوجود هذه الرغبات لدى الإنسان هو سبب في خضوعه أو لنقل في تقييد حريته حسب اسبينوزا، لكن هذا الخضوع مصدره هو طبيعة الإنسان نفسها وليس العوامل الخارجية إذا ما أردنا أن نبقى أوفياء للتصور اسبينوزي، مع أنه ليس هناك ما يمنع، إذا ما أردنا تجاوز موقف اسبينوزا، من أن نربط رغبات الإنسان بالعوامل الخارجية الاجتماعية والثقافية وغيرها. فهناك تصورات فلسفية تربط الرغبة لدى الإنسان بالثقافة والتربية التي يتلقاها داخل المجتمع؛ بحيث تتعدد الرغبات لدى الفرد بحسب الضغوطات القسرية التي يتلقاها من المحيط سواء تم ذلك بشكل واضح أو على نحو خفي.

ويجب التنبيه هنا إلى أن الحمولة الدلالية لمفهوم الرغبة في سياق فلسفة اسبينوزا قد لا يكون هو بالضرورة الموجود في سياق فلسفي آخر. ولذلك قد يكون من المفيد أن نقدم التعريف التالي الذي يحدد فيه اسبينوزا مفهوم الرغبة:

< أعني بالرغبة كل المجهودات والاندفاعات والشهوات والأفعال الإرادية لدى الإنسان، وهي تتغير وفق تغير حالات الإنسان ذاته، وقد تكون متعارضة إلى حد أن الإنسان يصبح موزعا في اتجاهات مختلفة تجعله لا يعرف إلى أين سيتجه >. - عن كتاب منار الفلسفة للسنة الثانية باكلوريا، ص21 -

أما عن علاقة الحرية بالوعي، فاسبينوزا يرى أن الناس يتوهمون أنهم أحرار بمجرد ما يعون أفعالهم لكنهم في الحقيقة يجهلون الأسباب المتحكمة فيهم. وهذا قد يعني أن هناك في الطبيعة الإنسانية مستويات عميقة وخفية لا يتمكن العقل والوعي من معرفتها والتحكم فيها، وهو ما أكدت كشوف علم النفس التحليلي مع فرويد فيما بعد. وقد يكون هذا دليل على نفي حرية الإنسان أو على الأقل القول بنسبيتها.

أيضا جهل الإنسان بالضغوطات والإكراهات الخارجية والاجتماعية، والتي قد تمارس عليه على نحو خفي، هو مؤشر آخر على خضوع الإنسان و تناهي حريته في الفكر والفعل والإحساس. هكذا نجد العديد من الناس يعبرون عن أفكار وتصدر عنهم سلوكات، يعتقدون أنها نابعة عن إرادتهم الحرة في حين أنها مستقاة من المجتمع وتم استدماجها لديهم من خلال أساليب التربية وأنماط التنشئة الاجتماعية التي تعرضوا لها.

يمكن التأكيد إذن على فكرتين رئيسيتين:

- أولا أن حرية الإنسان الحقيقية لا تكمن في انسياقه وراء الأهواء والشهوات، وإلا كانت حرية بهيمية. ولهذا فالحرية الحقيقية ترتبط لدى الكائن البشري بأوامر العقل وتوجيهاته سواء كانت أخلاقية أو قانونية أو غيرذلك.

- ثانيا أنه لا يستقيم الحديث عن الحرية لدى الإنسان إلا في إطار انفتاحه على الغير وتعايشه معه. وبهذا المعنى يعتبر الغير شرطا أساسيا لكي يحقق الأنا ذاته ويبرز حريته. وقد دافع هيجل عن هذه الفكرة من خلال حديثه عن الصراع الحتمي الذي لا بد أن يخوضه الأنا مع الآخر من أجل أن يثبت ذاته ويحافظ على حريته. فلا معنى إذن للحديث عن حرية حقيقية لدى الفرد وهو في عزلة تامة عن الناس. ولو وجد مثل هذا الفرد المنعزل عن الآخرين، كما هو حال الطفل المتوحش فيكتور، لما أمكننا أن نقول عنه أنه كائن حر ما دام يعيش وجودا طبيعيا مباشرا لا يختلف كثيرا عن وجود باقي أشياء الطبيعة، هذا بالرغم من أن البعض سيتحدث عن امتلاك هذا الطفل لما يسمى بالعقل الفطري. لكن يبدو أن مثل هذا العقل الفطري لا يؤهل صاحبه لكي يكون كائنا حرا بالمعنى الإنساني الخالص.

إذن فالحرية الحقيقية هي ذات طابع إنساني وثقافي، وهي لا تنطبق إلا على الكائن البشري ككائن واعي وثقافي، كما أنها حرية تفترض كما أسلفنا الغير كطرف أساسي فيها.

بعد الإشارة إلى هاتين الفكرتين لا بد أن نمر الآن إلى تقديم بعض التوضيحات ولو بشكل مختصر حول مفهوم الحرية عند اسبينوزا، والتي يمكن نعتها بالحرية الطبيعية.

بالنسبة لاسبينوزا كل الناس أحرار في حدود ما تسمح لهم طبيعتهم بذلك. بل إن اسبينوزا يطبق هذا التصور على كل الكائنات، بل أيضا على الله؛ فكل كائن يتصرف بالضرورة وفقا للقوانين التي تميز طبيعته، ولا يمكنه أبدا التصرف خارج الضوابط والمحددات التي تحكم هذه الطبيعة.

هكذا فحرية الإنسان مرتبطة بطبيعته، ولذلك فهي حرية نسبية؛ فيها تحكم نسبي للعقل في الشهوات والانفعالات الطبيعية، كما نجد فيه خضوعا لهذه الدوافع الطبيعية، وذلك بحسب ما إذا كان الإنسان فاعلا أو منفعلا، مستحضرا للعقل أو مغيبا له. وفي جميع الأحوال لا يمكن للإنسان التصرف خارج نطاق ما تتيحه له طبيعته، سواء فهمت هذه الطبيعة على أساس أنها العقل كملكة فطرية أو فهمت على أساس أنها الدوافع الغريزية التي تولد مع الإنسان.

إن المعرفة العقلية بالانفعالات والشهوات تمكن حسب اسبينوزا من توجيهها وتصريفها على نحو أفضل، وهذا التوجيه العقلي هو الذي تتبدى من خلاله نوع من حرية الإنسان، إلا أنها حرية تتحرك في نطاق ما تسمح به الطبيعة الإنسانية. فلا يمكن للإنسان أبدا أن يتجاوز القوانين المحددة لطبيعته؛ بحيث لا يمكنه مثلا أن يتصرف كملاك أو إلاه، لأنه ببساطة لا يمتلك طبيعة الملاك أو الإله.

أما بالنسبة للطفل المتوحش، فهو سيتصرف حسب اسبينوزا بحكم طبيعته كطفل متوحش ولا يمكنه أبدا أن يتجاوز حدود ما تتيحه له طبيعته. إن لمثل هذا الطفل شهوات ودوافع غريزية ستتحكم ولا شك في تصرفاته، وإذا كان يمتلك عقلا فطريا وكان مثل هذا العقل سيسمح له بالتحكم في غرائزه وتوجيهها، فبإمكانه أن يفعل ذلك ما دام أنه يدخل في نطاق الطبيعة المميزة لهذا الطفل. لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل فعلا بإمكان العقل كملكة فطرية السيطرة على الغرائز وتوجيهها ؟ أليس أن هذا العقل الذي يسيطر ويوجه ويتحكم هو عقل مكتسب ومكون -بفتح الواو- وليس فطريا ومكونا -بكسر الواو- ؟؟

إن مثل هذا التساؤل يجعلنا نذهب إلى القول بأنه يصعب الحديث عن حرية لدى الطفل المتوحش؛ ما دام أنه لم يكتسب عقلا أخلاقيا أو قانونيا أو دينيا مثلا يمكنه من إبراز حريته من خلال التحكم في شهواته وتوجيهها، وما دام أنه لم ينفتح على الغير بعد باعتبار أن مثل هذا الانفتاح هو شرط ضروري للحديث عن الحرية بمعناها الإنساني الحقيقي.

ليس المقصود بالحرية الطبيعية عند اسبينوزا أن يعيش الإنسان معزولا في الطبيعة، بل هي تعني فقط التصرف في حدود الضوابط التي تحكم الطبيعة الإنسانية. فأن يكون الإنسان حرا هو أن يستخدم عقله لتحقيق معرفة برغباته وشهواته، والعمل على التخفيف من حدتها وتوجيهها بما يناسب، أما أن يتلافاها ويسيطر عليها بشكل مطلق فهذا غير ممكن حسب اسبينوزا، وهو واضح في قوله:

« أننا لا نملك سلطانا مطلقا على هذه الانفعالات».

هذه الجملة مهمة في نظري لفهم موقف اسبينوزا؛ فيبدو من خلالها أن الإنسان يملك سلطانا ولو نسبيا على الانفعالات الطبيعية، لكنه في نفس الوقت لا يملك سيطرة مطلقة عليها. والمقصود بالسلطان هنا سلطان العقل والمعرفة. ولذلك فحرية الإنسان تتأرجح بين عقله وغرائزه، إذ تختلف درجتها بحسب سيطرة أحد العنصرين على الآخر. وهي على العموم حرية محكومة بمحددات الطبيعة الإنسانية.

دمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة

2 تعليقات على “مفهوم الحرية عند اسبينوزا”

  1. محمد الشبة يعلق:

    إن اسبينوزا يقول بحرية طبيعية للشخص؛ أي أنه حر، ولكن حريته محكومة بطبيعته كإنسان.
    وحيث أن اسبينوزا يرى أن غاية الدولة هي الحرية؛ أي حرية الأفراد، فإن هذه الحرية التي يدعو إليها اسبينوزا هي حرية مقننة بطبيعة الإنسان العاقلة؛ فالدولة ستسهر على تطبيق قوانين العقل < باعتباره ما يمثل طبيعة الإنسان>، وهي قوانين ستجعل حريات الأفراد تتحرك في حدود ما تسمح به قوانين الدولة، التي هي بنود تم الاتفاق عليها من طرف كل العقول المنتمية إلى مجتمع معين.

    باختصار، فاسبينوزا لايرفض حرية الشخص جملة وتفصيلا، بل يرى فقط أنها حرية نسبية ولها حدود، وهذه الحدود تتمثل في طبيعة الإنسان نفسها؛ سواء تعلق الأمر بالطبيعة الغريزية أو بالطبيعة العاقلة. فطبيعة الإنسان مثلا ليست هي طبيعة الإله أو الملاك أو الجن أو الحيوان أو النبات …ولذلك فالحديث عن أية حرية للإنسان لا يمكن أبدا، حسب اسبينوزا، أن يتجاوز حدود طبيعته.

  2. محمد الشبة يعلق:

    أود أن أثير هنا مشكل الاختلاف والتداخل الحاصل في فلسفة اسبينوزا بين المعنى الميتافيزيقي للحرية والمعنى القانوني-السياسي لها.
    صحيح أن هناك أبعادا مختلفة للحرية، سواء عند اسبينوزا أو في الخطاب الفلسفي بصفة عامة، وهي أبعاد تاريخية وميتافيزيقية وسياسية وقانونية …، غير أنه مع ذلك يجب الانتباه في نظري إلى التقاطع والتداخل الحاصل في فلسفة اسبينوزا بين البعد الميتافيزيقي للحرية وبعدها القانوني. لماذا؟
    لأن اسبينوزا صاحب فلسفة نسقية، ترتبط أجزاؤها وعناصرها بروابط قوية ومتينة. فما يقوله اسبينوزا في مجال الميتافيزيقا وما يقوله في مجال الفلسفة السياسية يصدران عن نفس الرؤى والأسس. وه>ا ينطبق على تصوره لمسألة الحرية؛ فالأساس في فلسفته هو ربطه لحرية الإنسان بطبيعته ككائن بشري يختلف من حيث الطبيعة عن باقي الكائنات. فإذا كان اسبينوزا يتحدث عن حرية طبيعية للشخص،أي انه يربط حريته بطبيعته بحيث ان حدود هذه الحرية هي حدود الطبيعة الإنسانية نفسها، فإن الحرية في المجال القانوني والسياسي هي الأخرى محكومة ومنظورا إليها في حدود هذه الطبيعة نفسها.
    ولهذا نجد اسبينوزا يدعو إلى الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الدولة، من أجل ان يحتكم الناس في هذه الحالة الأخيرة إلى قوانين العقل بدل قوانين الشهوة التي كانت تحكمهم من قبل في حالة الطبيعة. إن العقل هنا منظور إليه كطبيعة تميز الإنسان عن غيره،ولذلك فالحرية القانونية ستتحدد وفقا لهذه الطبيعة المميزة للإنسان، ولا يمكنها أن تتجاوزها بأي حال من الأحوال وإلا تنكبت الدولة عن الغايات التي وجدت من أجلها، وهي جعل الناس يتمتعون بحقوقهم الطبيعية وعلى رأسها الحق في الحرية.
    إن حقوق الإنسان، بما في ذلك الحرية، تتأسس عند اسبينوزا على ما هو طبيعي، أي على طبيعة الإنسان.فالدولة والقوانين التي تجسدها تسعى إلى تجسيد الحرية وفقا لما تمليه الطبيعة الإنسانية ووفقا لما تتيحه هذه الطبيعة من حقوق يجب أن يتمتع بها الناس حيثما وجدوا. ومثل هذا التصور لايقابله سوى التصور الوضعي الذي يؤسس الحق، بما في ذلك الحرية، على اعتبارات أخرى غير طبيعية تعود إلى الظروف والأوضاع الثقافية الخاصة بكل مجتمع.
    هكذا فنحن نزعم أن تصور اسبينوزا لحرية الشخص لا يختلف في عمقه عن تصوره للحرية في بعدها القانوني والسياسي، بل يصدران عن نفس الأسس التي تحكم نسق اسبينوزا الفلسفي وتجعله يصدر عن نفس الرؤية حتى وهو ينتقل من مجال معرفي إلى آخر.

    هكذا وجب تنبيه التلميذ إلى الخيوط الناظمة لكل مواقف الفيلسوف المبثوثة في الدروس المختلفة، بذل قطع أواصر هذه الخيوط. فمثل هذا التنبيه سيجعل التلميذ يقف عند أسس و خصائص الرؤية التي تحكم الفيلسوف أينما حل وارتحل، وستجعل التلميذ يميز بين هذه الرؤية ورؤية فيلسوف آخر؛
    إذ يمكنه مثلا أن يقف عند خصائص التشابه بين مواقف ديكارت في الشخص وفي الغير مثلا …، أو مواقف هيجل في التاريخ وفي السياسة وفي الأخلاق … أو مواقف كانط في الشخص وفي الغير وفي الواجب …وهكذا دواليك.
    فمثلا نجد هيجل يتحدث في التاريخ عن عقل كوني يسيطر على الأفراد ويوجههم لصالحه، ونجد في الدولة حديثا أيضا عن هذا العقل نفسه وهو يتجسد في الدولة وقوانينها ليحدد لها غايتها ويجعل الأفراد خاضعين لها ….
    ولهذا وجب الحرص، كل الحرص، على تنبيه التلاميذ إلى التقاطعات الحاصلة بين مواقف الفيلسوف في مختلف الدروس، فضلا طبعا عن التقاطعات الحاصلة بين المحاور. وذلك حتى يدرك التلميذ خصائص الفكر الديكارتي ويميزها عن خصائص الفكر الهيجيلي أو السيبينوزي أو النيتشوي ..الخ، ويقارنها بصدد مختلف الإشكالات والقضايا المبثوثة في الدروس.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.