Generic Viagra generic viagra europe
مفهوم الحرية عند اسبينوزا الحرية بين العقل والغرائز
مارس 10

تصورات فلسفية حول الحرية


الواقع أن مقاربة إشكال الحرية في مجال التفكير الفلسفي تمت على مستويات عدة؛ أنطلوجية ميتافيزيقية، وإبستمولوجية معرفية، وأكسيولوجية قيمية وعملية. ولذلك فقد تشعبت المقاربات بحسب السياقات الثقافية والتاريخية.

هكذا فقد نوقشت مسألة الحرية في الثقافة الإسلامية مثلا، في إطار التفكير في علاقة الفعل الإنساني بالفعل الإلهي. فتمخض عن ذلك موقف يقول بالجبرية وينفي حرية الإنسان وقدرته على الفعل، وينسب ذلك إلى الخالق الذي هو الفاعل الحقيقي لكل شيء. وقد قوبل هذا الموقف باعتراض من طرف من سموا بالمعتزلة، الذين دافعوا عن حرية الإنسان وحملوه مسؤولية أفعاله، وهذه الحرية والمسؤولية في نظرهم هي التي تمنح للحياة ولبعث الأنبياء وللحساب والعقاب معنى حقيقي ومعقول، بحيث إذا نفينا الحرية على الإنسان استحال كل شيء باطلا. وقد حاولت فرقة ثالثة أن تقف موقفا وسطا بأن قالت بنظرية الكسب وجلت للفعل فاعلين هما الله والإنسان معا.

وقد قدم ابن رشد موقفه كفيلسوف من هذا الإشكال؛ حيت أقر للإنسان بحرية الإرادة والاختيار إلا أنها حرية محدودة ومقيدة بقوانين الطبيعة والجسد كقوانين ضرورية تجعل الحرية الإنسانية نسبية في مقابل حرية الله المطلقة.

أما على المستوى الإبستملوجي المعرفي، فقد تمت مناقشة الحرية في علاقتها بالعقل والإرادة العاقلة لدى الإنسان. وفي هذا السياق نجد ديكارت يؤكد على حرية الإرادة العاقلة، بحيث أن فعل الشك الذي انطلق منه العقل هو دليل على حرية الإرادة، التي تخلصت من كل الحقائق والقيود السائدة في سعي منها لتأسيس حقيقية جديدة وعلى نحو حر وبطولي. إن ممارسة الشك المنهجي عند ديكارت وقيامه بمسح الطاولة، هو دليل على الرغبة في التخلص من الأحكام المسبقة ووضع الحقائق بين قوسين، كما أنه مؤشر على حرية الذات العارفة في إصدار الأحكام على نحو ذاتي وحر.

أما مع كانط فإننا نجد الإرادة الحرة تتحرك في حدود المجال الأخلاقي. فحرية الإنسان من منظور التصور الكانطي تكمن في الالتزام بالأوامر المطلقة الصادرة عن العقل الأخلاقي العملي. وليس هناك أي تناقض حسب كانط بين القول بالحرية والقول في الآن نفسه بالخضوع للعقل الأخلاقي؛ إذ أن الذات الملزمة <بكسر الزاي> هنا هي نفسها الذات الملزمة <بفتح الزاي>. فحينما أخضع للقوانين والقواعد التي أشرعها لنفسي فأنا حر ولا أخضع إلا إلى نفسي. أما اتباع الأهواء والميولات الغريزية بدون ضوابط عقلية وأخلاقية فهذا هو الاستعباد بعينه.

بطبيعة الحال فقد ظهر فيما بعد فلاسفة قدموا نقدا لمثل هذا التصور الأخلاقي العقلي. ويمكن أن نقدم الفيلسوف نيتشه كمثال على ذلك. هكذا اعتبر نيتشه أن الحرية الأخلاقية هي حرية صنمية تنفي الحياة وتعدمها، لأنها تقصي كل ما هو غريزي في الإنسان. وقد دعى نيتشه إلى حرية تجسد إرادة الحياة التي تتصرف بمعزل عن كل خير أو شر؛ أي بعيدا عن إملاءات العقل سواء كان أخلاقيا أو دينيا أو ميتافيزيقيا.

ونتقل الآن إلى الحديث عن الحرية في بعدها الواقعي، القانوني والسياسي. في هذا الإطار نجد الكثير من الفلاسفة والمفكرين يؤكدون أنه لا معنى للحديث عن حرية الإنسان إلا في إطار علاقتها بالنظام السياسي السائد، وفي إطار علاقتها بالقوانين المتعاقد عليها بين الأفراد داخل المجتمع. ولعل مثل هذا التصور للحرية قد وجد بدايته الحقيقية ابتداءا من عصر الأنوار.

في هذا السياق يمكن القول مع مونتسكيو بأن < الحرية هي الحق في القيام بكل ما تسمح به القوانين>. من هنا فمنتسكيو يؤكد على الحرية كحق يجب أن يتمتع به الجميع، إلا أن هذا الحق لا يمارس بشكله الصحيح إلا في إطار الانضباط للقوانين المتعاقد عليها، والتي تجسد الإرادة العامة وتصاغ في إطار ديمقراطي ليس فيه شطط في استخدام السلطة.

بطبيعة الحال قد يقال أن القوانين تخنق الحرية وتمنعها من التحقق، وهذا صحيح في الحالات التي تكون تلك القوانين جائرة ولا تعترف للجميع بحقوقه الطبيعية المشروعة. ولكن يبقى مع ذلك أن الحديث عن الحرية خارج إطار قواعد العقل وتشريعاته سواء كانت أخلاقية أو قانونية هو حديث عن حرية فوضوية ولا إنسانية؛ مادام أن العقل هو الذي يمنح للحرية مضمونها الإنساني الذي يجعلها مثمرة وتصون كرامة الإنسان وقيمته ككائن متميز.

وفي نفس الوقت فإن ربط الحرية بقواعد العقل وضوابطه لا يعني أبدا التخلي النهائي عن الميولات الغريزية، لأن مثل هذا النخلي غير ممكن مادام أن الغرائز والشهوات هي جزء لايتجزأ من الطبيعية الإنسانية. ولكن ذلك الربط يهدف فقط إلى عقلنة الغرائز عن طريق توجيهها وتصريفها، حتى تتخذ طابعا إنسانيا راقيا وتبتعد عن السلوك الحيواني الهمجي.

دمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.