Generic Viagra generic viagra europe
أقدم لك عزيزي التلميذ: تصورات فلسفية حول الحرية إشكال العلاقة مع الغير
مارس 10

الحرية بين العقل والغرائز


إننا نريد أن ندافع عن تصور أساسي هو أن الحرية هي تجسيد للإرادة العاقلة للإنسان، و أنها توجيه وتحكم في الميولات الغريزية. وهذا يعني أن الحديث عن أية حرية خارج إطار العقل هو حديث متهافت وبدون معنى حقيقي. وحينما نربط الحرية بالعقل، فهذا لا يعني أبدا إغفال الجانب الغريزي كمكون أساسي من مكونات الكائن البشري، بل يعني فقط أن الحرية بمعناها الإنساني هي بالضرورة حرية عقلية. ونعني بنعت عقلي هنا كل ما يشرعه العقل من مبادئ وقواعد تنظم السلوك البشري والعلاقات بين الناس، سواء كانت تقاليدا وأعرافا اجتماعية أو نظما سياسية أو قواعدا أخلاقية أو مبادءا دينية أو ما شابه ذلك. إن وجود هذه القواعد والضوابط في عالم الإنسان هو الذي يجعل سلوكه يتميز عما هو موجود في العالم الطبيعي الحيواني. فمن المعروف أن أشياء الطبيعة، كما يرى هيجل، توجد وجودا مباشرا وأحادي البعد هو الوجود الغريزي، وبالتالي فالحيوانات مقيدة بدوافع ومحددات طبيعية وبيولوجية، في حين أن للإنسان وجود مزدوج؛ فهو من جهة يوجد مثل أشياء الطبيعة وجودا طبيعيا وغريزيا، ومن جهة أخرى يوجد وجودا عقليا واعيا. ولهذا السبب يتميز الإنسان عن الأشياء الطبيعية والحيوانات بخاصية الوعي، وهي الخاصية التي تجعله كائنا حرا ومبدعا؛ يجسد حريته في تفكيره النظري وفي وعيه العملي الذي يتجسد من خلال أنشطته العملية في الشغل وإبداعاته الفنية ومختلف أنماط عيشه …

إنه بدون العقل وما ينتج عنه من أشكال الوعي المختلفة، لا يمكن الحديث عن الحرية. فأشياء الطبيعة لا تمتلك الحرية لأنها بكل بساطة لا تمتلك العقل بل تتحكم فيها الغريزة. ولهذا السبب، فحينما يجعل الإنسان غرائزه تتحكم فيه، فيكون منفعلا لا فاعلا لها، فإن سلوكه يكون بهيميا وحيوانيا ويكون مستعبدا لا حرا.

إن أشرف ما في الإنسان هو العقل، ولذلك فحريته لا تتخذ معناها الصحيح والإيجابي إلا في ارتباطها بما يسنه العقل من ضوابط وتشريعات.

قد يقال لنا أن هناك عدة تصورات لهذا الذي يسمى عقلا، وأن هناك اختلاف في التشريعات التي يسنها العقل سواء كانت أخلاقية أو قانونية أو غيرها، إلا أن هذا لا يمنع من أن الإنسان يتصور دائما سلوكه ككائن حر انطلاقا مما يمليه عليه عقله وما يراه مطابقا للمنطق العقلي والأخلاقي، وليس أبدا مما تهمس إليه به غرائزه بعيدا عن أي حضور للعقل.

وإذا كان البعض لا يرى أن الحرية تكمن في الخضوع لسيادة العقل، فهل يعني أنها تكمن في الخضوع لسيادة الغرائز ؟ فكيف سيصبح العالم الإنساني إذا ما سيطرت فيه الغرائز والشهوات وتحكمت في سلوك الناس ؟ ألا سنعود بهذا التحكم إلى حالة الطبيعة كحالة يتصرف فيها كل واحد بحسب أهوائه وميولاته الذاتية؟

لماذا يشرع الإنسان لنفسه قواعدا أخلاقية ونظما سياسية ويضع تقاليدا وأعرافا ؟ أليس لكي ينظم حرية الأفراد ويجعلها تتناغم وتنسجم وتتعايش؟ أليست حرية الفرد تنتهي حينما تبتدئ حرية الآخر؟ ثم أليست القواعد الأخلاقية والنظم السياسية والأعراف هي ثمرة مجهود العقل الإنساني ؟ أليست الحرية إذن هي الأخرى ثمرة من ثمرات العقل؟ أليس أي حديث عنها خارج ما يسنه العقل هو حديث لا يستقيم ولايمتلك دلالة إنسانية حقيقية؟

قد تكون بالفعل تشريعات العقل وقواعده معارضة لحرية الإنسان، في الحالة التي تكون فيها مثلا أعراف مجتمع ما أو قواعده السياسية لا تمثل ما هو عدل وحق. لكن في هذه الحالة علينا أن نغيرها ونثور عليها، و سوف لن نفعل ذلك بواسطة الغرائز بل بالعقل.

هكذا فقد تختلف الرؤى بصدد مدلول الحرية، لكنها على أية حال رؤى صادرة عن العقل وليس عن الغريزة.

والعقل الذي نتحدث عنه الآن ليس هو العقل كملكة فطرية أو كأعدل قسمة بين الناس كما يقول ديكارت، وإنما هو العقل المكتسب الذي راكمه الإنسان عبر تجاربه التاريخية،وهوالذي يتجلى في أشكال مختلفة دينية وفنية وأخلاقية وسياسية … وهذا العقل بهذا المعنى الثاني هو الذي سعى دوما إلى تنظيم سلوك الإنسان وضبط ميولاته الغريزية، ومن خلال هذا إعطاء مدلول ما لمفهوم الحرية.

إن العقل إذن هو نتاج لظروف تاريخية ما، وهو يعكس ما يسود خلال سياقات ثقافية ما، غير أنه مع ذلك هو الذي يقدم فهما و يرسم حدودا للحرية الإنسانية.

وقد يكون هناك دخل للجوانب الوراثية في تحديد سلوك العقل، إلا أنها وراثة ثقافية لأن العقل ينتقل من جيل لآخر؛ فعقلنا كعرب الآن هو امتداد للعقل العربي في الماضي، فهو إذن عقل ينمو ويتطور. غير أنه في جميع الأحوال فهذا العقل، في مختلف مراحله التاريخية، هو الذي يشرع لسلوك الإنسان وينظر لحقوقه بما في ذلك حق الحرية.

إن تدخل الغرائز في نظري قد يحدث في الحالات التي يكون فيها العقل رسولا لها؛ أي أن الغرائز قد تعبر عن نفسها من خلال العقل مما يجعل تشريعاته تتجه لخدمة مصالح وميولات غريزية لهذه الفئة أو تلك. في هذه الحالة قد يعبر العقل عن تصور مثلا للحرية يتناسب مع الميولات الغريزية للإنسان. غير أنه حتى في هذه الحالة فالحرية من جهة تقدم نفسها كصياغة عقلية تدعي المشروعية حتى ولو كانت تقبع خلفها الدوافع الغريزية، ومن جهة أخرى فهي حرية مشكوك فيها ما دام أن هناك قواعد عقلية وأخلاقية متعارف عليها وتتخذ طابعا كونيا ومشتركا وتراعي مصالح جميع الناس دون أن تخدم الميولات والمصالح الخاصة بفئة دون أخرى.. ويمكن تقديم أمثلة في هذا الإطار؛ فاحترام ملكية الغير مثلا هو واجب علي تجاهه، ولذلك لا يمكنني أن أنساق وراء غرائزي و أسلبه ملكيته مدعيا أنني حر، ونفس الشيء بالنسبة لقتل إنسان باسم الحرية الغريزية، أو الكذب عليه أو خيانته أو عدم الوفاء بعهد معه أو الكذب عليه …الخ. فكل هذه السلوكات وغيرها مرفوضة عقليا وأخلاقيا وهناك شبه إجماع عليها، ولذلك فهي ضوابط لحرية الإنسان كحيوان أخلاقي وسياسي.

إن السمو والرقي هو حكم عقلي وليس صفة ملازمة للإنسان؛ فقد يكون الإنسان راقيا أو غير راقي، والذي يحدد درجة الرقي هو العقل وليس أي شيء آخر.

هكذا فحينما يطور الإنسان علومه عن طريق عقله، سواء كانت علوما أخلاقية أو سياسية أو فيزيائية أو غير ذلك، فإننا نقول أنه حقق تطورا ورقيا بحياته. فإذا ما قارنا الإنسان البدائي بالإنسان المعاصر فإننا نلاحظ رقيا وتطورا في مختلف أنماط العيش؛ كالمأكل والملبس والمسكن واللغة والمواصلات …كما نجد تطورا في العلوم والإبداعات التقنية والفنية وغير ذلك. كما أننا قد نقارن بين شخصين اعتمادا على معايير العقل الأخلاقي مثلا؛ فنقول إن سلوك هذا راقي وسلوك الآخر منحط ..وهكذا دواليك.

هكذا فالطابع الإنساني هو دائما طابع عقلي؛ فالإنسان كما يرى هيجل يطبع بما هو ذات حرة العالم الخارجي بطابع عقلي. فهو يلقي بذاته في الطبيعة لكي ترتسم عليها، وفي ذلك تجسيد لحريته ككائن واعي وعاقل.، ولو كان يمتلك الغرائز فقط لما اتصف بصفة الحرية، ولكان مثله مثل أشياء الطبيعة خاضعا لقوانين حتمية.

إن الإنساني هو العقلي والعقلي هو الإنساني؛ إذ كل منهما يفترض الآخر بالضرورة. ولذلك فأن يكون للحرية طابع إنساني معناه أنها تتخذ طابعا عقليا، أما إذا اتخذت طابعا غريزيا فستكون حرية حيوانية وبهيمية. وحينما نقول أن الحرية الإنسانية يجب أن تتخذ طابعا عقليا بالضرورة، فنحن على وعي تام بأن تصورات الناس لما هو عقلي ومعقول تختلف حسب اختلاف مذاهبهم ودياناتهم وإيديولوجياتهم … وبالتالي فتصوراتهم للحرية تختلف، إلا أن هذه التصوات جميعها هي تصورات عقلية صادرة عن العقل وهدفها هو تنظيم غرائز البشر وعقلنتها.

وإذا كانت سلوكات آكلي لحوم البشر مثلا تبدو بالنسبة إليهم سلوكات عادية ومقبولة انطلاقا من المستوى العقلي الذي وصلوا إليه، فإنها تظل مع ذلك سلوكات غير مقبولة انطلاقا من تصورات عقلية أخلاقية وحقوقية لاحقة. والدليل أنه لا توجد تشريعات أخلاقية أو قانونية أو دينية اليوم تشرعن لسلوك أكل لحوم البشر، بل يظل سلوكا غير مقبول من الناحية العقلية سواء تعلق الأمر بالعقل الأخلاقي أو الديني أو القانوني أو السياسي أو غير ذلك.

إن رفض مثل هذا السلوك يعني أن العقل البشري قد قطع أشواطا في الرقي والابتعاد عن الطابع الحيواني لطبيعة عيشه وسلوكه وإحساسه، بالرغم من أن هناك حالات تتجسد فيها سلوكات حيوانية تصدر حتى من طرف الناس في عالم اليوم، إلا أننا مع ذلك نتحدث عما هو عام وسائد وليس عما هو استثنائي.

وإذا كان العقل يقوم بتحجيم الحرية، فهذا شيء عادي لأن الحرية الإنسانية هي سلوكات مقننة بقواعد العقل، وليست فوضى غريزية لا ضابط لها.

تم إغلاق التعليقات.