Generic Viagra generic viagra europe
حول إشكال محور قيمة الشخص توظيف الفلاسفة أثناء مناقشة النص في الإنشاء الفلسفي
مارس 13

اللغة

المحور الثاني: اللغة والفكر.

· إشكال المحور:

إذا كنا نعتبر أن اللغة هي أداة للتعبير عن الفكر، فهل يعني ذلك أنها مجرد وسيلة فقد للتعبير عن فكر سابق عليها أن أنها الفكر نفسه ؟ هل يمكن التفكير بدون لغة ؟ وهل للفكر وجود خارج عالم الكلمات ؟ وهل حدود اللغة هي حدود الفكر أم أن هذا الأخير قد يكون أوسع نطاق من اللغة وأنها قد تظل في بعض الحالات عاجزة عن التعبير عنه ؟

في إطار الإجابة عن هذا الإشكال يمكن تقديم موقفين رئيسيين؛ الأول يفصل بين اللغة والفكر ويعطي الأسبقية للفكر على اللغة، والثاني يربط بينها ويعتبر أنهما متماهيان ولا يمكن الحديث عن وجود أحدهما بمعزل عن الآخر.

وسنتخذ الفيلسوفين الفرنسيين ديكارت وميرلوبنتي كممثلين لهذين الموقفين، بينما سنشير إلى موقف مواطنهما برجسون بصدد مسألة عجز اللغة عن التعبير عن العالم الروحي للإنسان.

· أطروحة ديكارت:

« ليس من بين أفعالنا الخارجية ما يمكن أن يؤكد لمن يتفحصها أن جسمنا ليس مجرد آلة تتحرك من تلقاء نفسها وحسب، بل إن فيه أيضا نفسا تتضمن أفكارا بدون كلمات … ».

يميز ديكارت، كفيلسوف عقلاني، في الإنسان بين جسم ونفس؛ فالجسم ذو طبيعة مادية وخاصيته هي الامتداد القابل للقسمة، أما النفس فهي ذات طبيعة عقلية وفكرية وخاصيتها هي التفكير.والعلاقة بين الجسم والنفس هي علاقة انفصالية، فالجسم لا يستطيع التحرك من تلقاء نفسه بل إن النفس هي التي تحركه على نحو من الأنحاء. وهذه العلاقة الموجودة بين الجسم والنفس تشبه العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر؛ فاللغة ذات طبيعة مادية حسية بينما الفكر ذو طبيعة روحية وعقلية، والعلاقة بينهما هي علاقة انفصالية مادام أنه يتعذر على شيئين من طبيعتين مختلفتين أن يتمازجا ويتداخلا. ونحن نجد أن ديكارت يمنح الأسبقية للفكر على اللغة، ويعتبر هذه الأخيرة مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار وإظهارها على مستوى الواقع.

· أطروحة ميرلوبنتي:

· تحليل النص ص 53:

- النص:

« إذا كان الكلام يقتضي وجود الفكر سلفا، وإذا كان فعل الكلام هو أولا الاقتران بالشيء قصد معرفته وتمثله، فإننا لا نفهم لماذا يتجه الفكر نحو التعبير كما لو كان يتجه نحو اكتماله. لماذا يبدو لنا الشيء الأكثر اعتيادا غير محدد ما لم نجد له اسما ؟ لماذا تكون الذات المفكرة في حالة جهل بأفكارها ما لم تعبر عنها لذاتها أو تصرح بها وتكتبها، كما يوضح ذلك مثال أغلبية المؤلفين الذين يبدأون بتأليف كتبهم بدون معرفة دقيقة بالمضامين التي سيكتبونها. عن الفكر الذي يكتفي بالوجود لذاته – خارج مورثات الكلام والتواصل – سيسقط في اللاشعور بمجرد ظهوره، الأمر الذي يعني أن هذا الفكر لن يوجد ولو من أجل ذاته …

إنها بالفعل تجربة تفكير، بالمعنى الذي نقدم فيه فكرتنا لأنفسنا بواسطة الكلام الداخلي والخارجي. إنها تتطور في الحين وبسرعة كبيرة، ولكن يبقى لنا بعد ذلك أن نمتلكها، وعن طريق التعبير تصبح ملكنا لنا.

إن تسمية الأشياء لا تتم بعد التعرف عليها، إنها التعرف عينه. فعندما أبصر شيئا في ضوء خافت، وأقول: ” هذه ممسحة ” فلا يوجد في ذهني مفهوم الممسحة الذي أدرج تحته الشيء، والذي سيكون – من جهة أخرى – مرتبطا بواسطة علاقة متواترة مع كلمة ممسحة. وبفرض الكلمة على الشيء، يصبح لدي وعي ببلوغ هذا الشيء. وكما سبق، فإن الشيء بالنسبة للطفل يبقى غير معروف حتى تتم تسميته، فالاسم هو ماهية الشيء التي تكمن فيه بنفس الطريقة التي يكمن فيها لونه وشكله. »

M.Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, 1945 Col.Tel,Ed, Gallimard, pp 206-207.

- تحليل النص:

+ إن الكلام لا معنى له بدون أن يعبر عن الفكر، كما أن هذا الأخير لا يظهر على أرض الواقع إلا بواسطة كلمات اللغة.

وحينما ترتبط الكلمات بالأشياء فلكي تعبر عن تصورات وتمثلات يحملها الإنسان تجاهها. فنحن نعرف أشياء الواقع عن طريق تسميتها، فإذا لم نسمي الشيء فكأننا لا نعرفه أو كأنه غير موجود بالنسبة إلينا.

كما أن الإنسان يظل جاهلا بأفكاره، وتظل هذه الأفكار غامضة، ما لم يتم التعبير عنها شفويا أو كتابيا.

ولتوضيح هذه الفكرة الأخيرة، قدم لنا ميرلوبنتي مثالا يتعلق بهؤلاء المؤلفين الذين لا يكونون على علم بكل الأفكار التي ستتضمنها كتبهم أثناء شروعهم في تأليفها، بل هم يتعرفون عليها بعد أن ينتهون من تأليفها. وهذا يدل على أهمية اللغة في إنتاج الفكر وتوضيحه.

ولذلك فالفكر الذي يحاول الاكتفاء بذاته والتواجد خارج كلمات اللغة سيظل حبيس اللاشعور، أي سيبقى قابعا في غموضه وغير مفهوم حتى بالنسبة إلى الذات نفسها.

يتبين أن ميرلوبنتي يدافع عن الأطروحة التي تربط اللغة بالفكر وتقول بصعوبة الفصل بينهما، وعدم أسبقية أحدهما عن الآخر.

+ إن الإنسان لا يخوض تجربة التفكير الباطني إلا من خلال كلمات اللغة، كما أن الفكر الداخلي هو كلام داخلي. فنحن نفكر بواسطة اللغة، فكلماتها هي التي تنسج الفكر وتجعله ممكنا.

وهذا يعني أنه لا وجود لأسبقية بين اللغة والفكر، فهما مترابطان ويتكونان في آن واحد.

وقد اعتبر ميرلوبنتي أننا لا نمتلك الفكر ولا تصبح الأفكار ملكا لنا إلا عن طريق التعبير عنها بواسطة كلمات اللغة.

+ ويحدثنا ميرلوبنتي عن العلاقة بين الكلمة والشيء؛ حيث يرى أن هناك علاقة ارتباط قوية بين الاسم والشيء الذي يدل عليه، فلا يمكن أن نكون معرفة بالأشياء إلا من خلال تسميتها بواسطة كلمات اللغة. كما أنه لا تصبح لدي فكرة عن الشيء ولا يصبح لدي وعي به حينما أسميه بكلمة ما.

وهذا يدل على صعوبة الفصل بين اللغة والفكر وعلى عدم وجود أسبقية بينهما.

فليس الاسم مجرد علامة عرضية وسطحية وعابرة تدل على الشيء، بل هو ماهية الشيء نفسه؛ فلا يمكن معرفة حقيقة الشيء إلا من خلال تمييزه باسم ما.

· إذا كانت اللغة مرتبطة بالفكر، فهل معنى ذلك أن حدود اللغة هي حدود الفكر ؟ ألا يمكن لهذا الأخير أن يكون أوسع نطاق من اللغة ؟ ألا يحصل لكلمات اللغة أن تعجز أحيانا عن مواكبة أفكارنا ومشاعرنا بحيث لا تقوى عن التعبير عنها ؟

من الملاحظ أن الإنسان يستخدم وسائل تعبير أخرى بالإضافة إلى اللغة الكلامية، مثل الموسيقى والرسم والرقص والرموز الرياضية وغير ذلك. ولعل لجوء الإنسان إلى مثل هذه الوسائل التعبيرية هو دليل على عجز اللغة وعدم قدرتها على الإحاطة بكل العالم الداخلي للإنسان، عالم الأفكار والمشاعر الحميمية.

وفي هذا الإطار يعتبر الفيلسوف الفرنسي المعاصر هنري برجسون أن اللغة تعجز عن الإحاطة والنفوذ إلى العالم الروحي الداخلي للإنسان؛ ذلك أنه ابتكر اللغة للسيطرة على أشياء العالم وتسميتها، وتحقيق إمكانية تبليغها والتواصل بشأنها، غير أن هذا العالم المادي هو عالم حسي وظاهري وثابت ولذلك فهو يختلف عن العالم الروحي الداخلي للإنسان، والذي يتكون من أفكار ومشاعر تمثل وعي الإنسان كوعي متغير ودائم الجريان، وهذا ما يجعل اللغة عاجزة عن التعبير عنه.

ويمكن أن نقدم بعض الأمثلة التي توضح عجز اللغة وعدم قدرتها على مواكبة أفكارنا ومشاعرنا:

- الحالات الصوفية: وهي حالات وجدانية وروحية يعيشها المتصوفة؛ إذ أثناء ممارستهم لمجموعة من الطقوس الدينية التعبدية يحسون بحالات شعورية ويحيون بعض التجارب الروحية، كما يدركون بعض الحقائق دون أن يكون بإمكانهم التعبير عنها بواسطة كلمات اللغة.

- كشوفات الفكر الرياضي: يضطر علماء الرياضيات إلى اللجوء إلى الرموز الرياضية للتعبير عن الأفكار التي ينتجونها ويكتشفونها، وهذا يدل على أن اللغة الكلامية لا تطاوعهم على التعبير عن تلك الأفكار العلمية الرياضية.

- وسائل التعبير الفنية: يعبر الإنسان في مجال الفن عن مشاعره وحالاته السيكولوجية والروحية بالاعتماد على وسائل تعبيرية مثل: الموسيقى والرسم والرقص والنحت …الخ. وهو دليل آخر على أن اللغة الكلامية لا تطاوع الإنسان دائما على التعبير عن كل مكونات فكره وخلجات إحساسه.

دمتم محبين للحكمة وعشاقا للحقيقة.

أضف تعليق.

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.